الحمام الزاجل أحد أنواع الحمام الذي كان يستخدم لنقل الرسائل فيما مضى، ويتميز هذا الحمام بعودته دوماً إلى موطنه، وبالتالي كان الحمام يحمل الرسائل من بلد إلى آخر، ويربط في قدمه رسالة يحملها عائداً إلى موطنه. وهو حمام من أصول أفريقية وخصوصاً من السودان وليبيا والجزائر.
حمام الزاجل والإنسان
يعد الحمام الزاجل سيد الحمام في الدنيا بدون منازع لما لديه من غريزة حب لموطنه والعودة إليه مهما بعدت المسافات الشاسعة التي يقطعها في إيصال الرسائل وما يؤديه من خدمات جليلة في تاريخ الحروب ونقل أخبارها إلى الدول والقرى.
وما يزال الحمام الزاجل موضع اهتمام علماء الأرصاد للاستفادة من قدرته على توفير النفقات التي تتطلبها الأجهزة الحديثة مثل الأقمار الصناعية والرادارات والطائرات وأجهزة الكشف بالأشعة تحت الحمراء إذ تستطيع حمامة واحدة من الزاجل بجهازها الملاحي الفريد أن ترشد بحاستها التي لا تخطئ إلى الكثير مما تبحث عنه مع توفير الكثير من النفقات التي ترصد لعمل تلك الأجهزة.
وقد استخدم الحمام الزاجل لأول مرة في الأغراض الحربية عام 24 قبل الميلاد عندما حاصرت جيوش القائد الروماني "ماركوس أنطونيوس" قوات القائد "بروتس" في مدينة "مودينا" إلا أن اكتافيوس الثالث كان على اتصال دائم مع بروتس للاطلاع على صموده من الحصار من خلال الرسائل التي كان يرسلها له بواسطة هذا الطائر.
الحمام الزاجل عند العرب
للعرب تاريخ طويل حافل مع الحمام الزاجل فهم من أوائل الأمم التي عرفت أهميته وتربيته واهتمت بأنسابه ووضعت الكتب والدراسات في طبائعه وأمراضه وعلاجه.. وكان البريد الذي أسسوه يعتمد على الخيل والجمال والبغال وتبادل الإشارات بالنيران والدخان والطبول والمرايا في إرسال الأخبار والمعلومات العسكرية من وإلى مركز الخلافة ومع اتساع رقعة الخلافة الإسلامية وزيادة الحروب والفتوحات إضافة إلى كثرة الفتن الداخلية والقلاقل ومحاولات انفصال الأقاليم عنها .. ومع ازدياد مصادر الثروة وتنوعها وكثرة مؤسسات الدولة ودواوينها أصبح لابد من وسيلة أكثر كفاءة وسرعة لضمان أقصى فاعلية لعمل ديوان البريد الذي يضمن اتصال أطراف الدولة الواسعة ببعضها وربطها بالعاصمة لذلك أدخل الخلفاء العباسيون استخدام الحمام الزاجل في البريد لما يمتاز به من السرعة الفائقة والسهولة في إعادة نقله إلى الأماكن التي ستطلقه مرة أخرى إضافة إلى انخفاض كلفة تربيته قياساً بالجياد والإبل ولتكاثره السريع وطيرانه دون حاجته إلى دليل أو مرشد ودقته في الوصول إلى أهدافه وكذلك لجمال شكله والفته حتى تنافسوا في اقتنائه والعناية به وتوسيع دوره وتحسين نسله فأخضعوه إلى مراقبة دقيقة ونظموا له السجلات الخاصة بحركته وخصصوا له المربين يدفعون لهم الاجور العالية لقاء ذلك.
ويروى أن "المعتصم" علم بانتصار جيشه على "بابك الخرمي" وأسره له عن طريق الحمام الزاجل الذي أطلقه قائد الجيش من جهة المعركة إلى دار الخلافة في سامراء .. وقد وصل ثمن الطائر منه في ذلك الوقت إلى 700 دينار وبيعت حمامة منه في خليج القسطنطينية بألف دينار.. لكن الفاطميين تجاوزوا العباسيين باهتمامهم بهذا النوع من الحمام بابتكارهم الوسائل للتغلب على إمكانية وقوعه بأيدي العدو باستحداث رسائل مرموزة "مشفرة" لا يستطيع العدو التوصل لمعناها.
كان الحمام الزاجل يقطع آلاف الأميال يومياً باتجاهات مختلفة في أنحاء الإمبراطورية الإسلامية وساعده في ذلك سلسلة الأبراج التي أقامتها الدولة والتي يبعد الواحد منها عن الآخر حوالي 50 ميلاً وكانت مجهزة لاستقبال الحمام واستبداله إذ كانت القوافل الكبيرة تحمل معها أقفاص الحمام وترسل بواسطته الرسائل إلى مراكزها في كل مرحلة من مراحل الرحلة لكي ترشد القوافل الصغيرة التي تسير على نفس الدرب أو تنذرها عند تعرضها إلى الخطر فتطلب النجدة والمعونة من أقرب مركز أو أنها كانت تخبر المكان الذي تنوي الوصول إليه بالمواعيد ونوع البضاعة التي تحملها لكي يستقبلها التجار المعنيون بالشراء.
وعن الحمام الزاجل أحاديث كثيرة .. ففي الحرب العالمية الثانية وعند هجوم الألمان على بلجيكا اصطحب المظليون الحمام خلف خطوط جيوش الحلفاء ثم أطلقوه بعد ذلك مع رسائل عن نتائج عمليات التجسس التي نجحوا في الحصول عليها وفي فرنسا أجريت مؤخراً مناورات اشترك فيها الحمام الزاجل في إطار تدريببي على إمكانية زجه في عمليات الاتصال، ولكن لم يصل العلماء إلى الآن إلى حل جذري أو نظرية مثبته عن كيفية معرفة الحمام الزاجل موطنه الأصلي ويبقى موضوعاً يحير العقول.

0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟