منذُ بزوغ الفجر الأول للبشرية وحين سُجلت أول جريمة على هذه الأرض لم تكن جريمة عادية، بل كانت أول شرارة للتمرد حين سفك قابيل دم أخيه هابيل اعتراضًا وعصيانًا. لقد آثر موت أخيه على أن يعدل عن رأيه.

الرأي في معجم الوسيط هو الاعتقاد.
إذًا فالرأي هو ما يعتقده الإنسان ويؤمن به.
للجميع أراء وأفكار، وللجميع الحق في التعبير عنها وهذا يتساوى مع حق الآخرين في تقبلها من عدمه، ولكن لم تكن تلك الحقيقة الكاملة .. فحين مُنح للإنسان حق التعبير لم يُمنح بشكل متساوى! بل عُلّيت أصوات وخُفضت وقُمعت أصوات. وبظني من هنا بدأ الإنسان بالصراخ بالصوت العالي لكسب حقه في طرح رأيه أو في إعلان توجهاته بكل حرية دون أن يقلق أو يخاف. كانت هذه الحاجة الملحة في نفسه أن لا يبقى مسلوبًا هكذا.. أن يُدافع عن معتقداته بكل الطرق الممكنة وهذه هي الحرب المقدرة، حرب الإنسان مع مجتمعه وبيئته.
ولكن هل كانت هذه الحرب حديثة؟ وهل بدأت مع تطور الإنسان وعلمه أم هي فطرية تنشأ وفق حاجته وظروفه؟
إذا مررنا على تاريخ العصر الجاهلي سنرى مجموعة رفعت راية التمرد بين قبائلها وانشقت عنهم واتخدت الصعلكة لها أسلوبًا. والصعلكة في العربية: هي التسكع والتشرد، والصعلوك هو الفقير الذي لا يملك شيئًا.
كان هؤلاء الشعراء ممن تعرضوا للظلم من قبائلهم، فأنشأوا هذه الحركة الجماعية ضدًا للظلم والتسلط الذي شهدوه.
كانوا تيار يتحرك نحو حرية الفكر بطلاقة بحراكِهم هذا حرروا أنفسهم من السلطة وهربوا للصحراء الواسعة حيث لا قيود ولا حدود.
الشنفري وهو أحد الشعراء الصعاليك يسُن قانونا إنسانيًا بشعره فيقول:
إذا أنت لم تكرم بأرضك فارتحل
‏ فلا خير في دار مهان كريمها
وهكذا عاش الصعاليك حياتهم بعيدًا عن الطقوس والعادات، فصنعوا لحياتهم منهاج وعاشوا كما يجب أن تُعاش الحياة في نظرهم، وليس كما فرضت عليهم قبائلهم، في زمان كانت القبائل تعني للرجل العربي كل شيء هم آثروا التخلّي عن أرضٍ يهُان فيها كريمها.
وعلى نحو فكاهي نتطرق للشاعر أبو نواس المنتقد الأول للمقدمة الطللية التي عرفها الشعراء والمستمرة من العصر الجاهلي، والمقدمة الطللية هي أن يفتتح الشاعر قصيدته بالوقوف على الأطلال ويتذكر ما تبقى من آثار ديار المحبوبة ..
ومن الجلي أنه كان لأبو نواس رأيًا آخر، فحين يقول امرؤ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلِ …
يقول أبو نواس ساخرًا:
“قل لمن يبكي على رسْم درسْ
واقفا، ما ضرّ لو كان جلسْ!”
وأبو نواس يصور هنا الخروج الفردي عن النسق المعروف للقصيدة الذي كان مسيطر آن ذاك بكل تفرد وحرية فما ضرّ لو جلس؟
يقول سيمونغد فرويد : “ليست حرية الفرد من منح الحضارة، فهذه الحرية كانت في أقصى درجاتها قبل نشوء أية حضارة.”ومن هنا نستشف أن حرية التعبير واختلاف المعتقدات لازمت التاريخ الإنساني على مر العصور ولم تكن شيئا جديدًا عليه. وبالرغم من كل القيود التي فُرضت عليه لا يزال الإنسان يسعى لكسب حقه في حرية الرأي بشكل خاص وفردي أو عام ومجتمعي.
بوسع المجتمع أن يزدهر بأراء أفراده الصحيحة السليمة فالرأي الواحد لا يصنع شيئا، لكن يد الجميع تصنع الكثير.

كتبت فاطمة محمد