يا صديقي : ( إلزم محاربك .!)

وسل نفسك...

وسط ضجيج الدنيا ما الذي يجعل علماً بارزاً ( كالإمام الغزالي ) وصل إلى رأس هرم الشهرة والجاه والمنصب وصار مقصداً يقصده الناس من كل مكان، تُثنى بين يديه مئات الركب، وتسل لحركة شفتيه مئات المحابر، ما الذي جعله ينسحب من هذه البهرجة كلها لينعزل سنين طويلة حيث لا يراه أحد ولا يعرفه أحد يعيد إصلاح قلبه من جديد!؟

بالله سائل نفسك .. ما الذي يجعل شيخاً يطرق باب السبعين عركته السنين بأفراحها وأتراحها، وغناها وفقرها، وصفوها وكدرها، ما الطي يجعله يفلت من كل هذا الحُطام المغشوش لينصب قدميه في محرابه معرضاً عما يتقاتل الخلق لأجله؟! والله لقد فقهوا.!

والله لقد فَقِهَ الإمام الغزالي و فَقِهَ شيخنا السبعيني أن هذا هو الذي من أجله يحيى الفطناء والباقي...؟ كل الباقي ستخلّفه خلف ظهرك عندما يحين وقت رحلة مغادرتك الأخيرة ويبقى ميراثاً لله تعالى الذي يرث الأرض ومن عليها.

صدقني لقد تعَرفوا على أصدقاء أكثر منك ومعارف أكثر منك، وارتووا من مُتع لم تذق لها حتى الآن طعماً، ثم آمنوا أن أعظم اللذائذ هي سجدة يبثون فيها شكايتهم وإنابتهم لله.

فكن مع الله يا أخي ، أطل في صلاتك، أطل أكثر .. وتلذذ بها أكثر، واسجد أكثر ، واخش ذنوبك، وأحسن الظن به، ولا تيأس من خطاك أبداً، فالله أكرم مما تتصور بكثير بكثير، قاتل الذنوب بالتوبة الصادقة والدمعة الدافئة والعمل الصالح، وتذكر الله!، ولا تنسى الله، واجعل فكرك الأكبر به، اشتق له جل جلاله، وتخيل ساعة لقائه وهو راضٍ عنك، ابك على خطيئتك، واستحيي منه، ليكن العزم على إصلاح حالك معه وفتح صفحة جديدة هو مشروع عمرك، ناجه، وأشك له، حدثه عن همومك وبث له مشاكلك، فضفض له جل جلاله، فهو جبّار الكسور، وراقب إيمانك هل يصعد مع طلبك للعلم أو دعوتك ( فهذه علامة صحة طلبك ودعوتك )، تعرف عليه أكثر واقترب منه أكثر، كن مستعداً أن تضحي بالجميع من أجل أن تكون قريباً منه!، ستتغير عليك أوجه الخلق ولن يبقى معك إلا الله الباقي مطلقاً وأبداً فهو أهم من تسعى أن توثّق وتوقّي علاقتك معه فقرّبه وقدّمه على كل أحد وعلى كل شيء.

ولا تنهك نفسك يا صفي الفؤاد كثيراً في الركض خلف الدنيا، فعادتها التمنّع عمن يسعى خلفها، والدل عند من يأباها!، وأما رزقك فسيأتيك وهو راغم عند قدميك. فكن على ثقة تامة بأنك لن تأكل لقمة واحدة لم تكتب لك، وأنك لن تغادر الدنيا حتى تشرب آخر قطرة ماء كتبت في صحيفة رزقك.

كتب متعب الشهراني