تشير نظرية المحاكاة في الفن بأن الفن محاكاة للطبيعة أو للحياة والسلوك الإنساني ..

لقد بدأت التراچيديا أو فن المأساة الكلاسيكية في أثينا في القرن السادس قبل الميلاد كجزء من احتفالات الربيع بَدينِسيوس* إله حصادالكَرم،والرقص،والشراب، وتحكي الأساطير اليونانية أن الجبابرة المردة قد مزقوه أشلاءً، ولكنه يولد من جديد في كل مرة يقتل بها، والتراچيديا التي أعادت تمثيل حكاية تجدد موت دينِسيوس، تشبعت من طبقات عديدة من المعنى الديني والسياسي والمدني.

اعتبر أفلاطون النحت والتصوير والشعر والمعمار صنعة أو حرفة ماهرة لا بأعتبارها "فنًا"، اعتبرها جميعًا حالات من المحاكاة التمثيلية. أفلاطون كان ينتقد كلّ أشكال المحاكاة،وبما في ذلك التراچيديا، لإخفاقها في تصوير الحقائق المثالية الخالدة،فهذه الأشكال الفنية تقدم لنامحاكاة للأشياء التي توجد في عالمنا وتعتبر مجرد نسخ من المثل، فالتراچيديا بالنسبة له تجعل المشاهد يختلط عليه الأمر فيما يتعلق بالقيم: فإذا كانت الشخصيات الخيره تمر بالمحن التي تُلقي بها إلى التهلكة، فإنه سيعلمنا الفضيلة لا تلقى دائمًا الجزاء الذي تستحقه. وبذلك، فإن أفلاطون أراد استبعاد الشعر التراچيدي في كتابه العاشر من "جمهوريته" الشهيرة من الحالة المثالية التي ينبغي أن يكون عليها الشعر.

أما أرسطو فقد كان يختلف عن رأي أفلاطون، فقد دافع أرسطو عن التراچيديا في كتابه الشعر حيث قال أن المحاكاة هي شيء ما طبيعي يستمتع به البشر، ويتعلمون منها، وهو أيضًا لم يعتقد بأن هناك أفضل وأسمى من عالمنا، كما وقع في ظن أفلاطون، شعر أرسطو أن التراچيديا يمكن أن تعلم الناس من خلال مخاطبة عقولهم وأحاسيسهم ومشاعرهم، فإذا كانت التراچيديا تبين لنا كيف يواجه الشخص الخيرالبلاء، فإنها بذلك تُظهر لنا حالة من التطهر من خلال انفعالات الشفقة والخوف.

في القرن الأخير، أصبحت نظرية المحاكاة في الفن أقل جاذبية، لأن الفن واجه تحديًا صريحًا من خلال عدم واقعية المدارس الفنية الحديثة التي انبثقت فجأة، فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأت فكرة المحاكاة تتناقص أهميتها كهدف لكثير من المدارس الفنيّة، التي اتخذت مجالاً وتوجهات أخرى كهدف رئيسي لمفاهيمها الفنية، وهي عدم تسليط الضوء على محاكاة الواقع كما كان الفن في السابق، وفضلت أن تمارس نوع من التعبيرية والإنطباعية والسريالية والتجريدية كسلوك جديد ومفهوم جديد يركز ليس فقط على الجانب الواقعي للعالم ولكن يعتمد بشكل كبير على المنظور الشخصي والعاطفي للفنان ذاته.

كتبت دانة الفكر