تشرين الثاني، الثالثة فجراً ، يوم يحمل الكثير، أقود سيارتي ببطء سلحفاة، لاشيئ سيفوتني هنا، لاشيئ على الإطلاق، أرفع صوت المذياع فيرتفع صوت أحمد الجميري (يا الزينة ذكريني لي غيبتني بحور، لي غيبتني بحور) فأتساءل من أين لصوته كل هذا الحنين الذي يجلبه لصدري؟ أقوم بتعديل ساعة يدي، أفتح النافذة ليدخل هواء الله في صدري، لعل وعسى..، تضيئ الإشارة الحمراء وجهي، أرفع صوت المذياع أكثر، يغني ) بارد ويا الصيف ولا الشتا لي رد، ولا مع الأشواق وقت الربيع والورد)، أفرقع أصابعي، لعبتي المفضلة، والكمين الذي أنصبه لكل الذين أحبهم، أمضغ العلكة أكثر، وكأنها محاولة لسحق الحياة ولآخر مرة، أُدخل شعري بكفي، وأشد إحكام حِجابي وتعيد الذاكرة صوتها من جديد في كل مرة أرتديه « شعرة وحدة توديج النااااار ياسويرة» ، تضيئ الإشارة الخضراء، ليس لدي رغبة بأن أحرك ساكناً لكن سأفعل، مثلما أفعل بقية الأشياء التي يتحتم علي فعلها رغم فقدان الرغبة، هاهو ذا أمامي، أركن بمكان ليس ببعيدٍ عنه ، أتفقد هاتفي، ٥ مكالمات فائتة، رسائل نصية متتالية، لاشيئ سيفوتني، لاشيئ، أرتجل، ألعق أصبعي السبابة بطرف لساني وأرفعها عالياً، جيد، الرياح شمالية اليوم،كما علمني هو، أمضي قدماً، أفتح ذراعاي للهبوب، وأتجرد، أتجرد من حذائي، حجابي،أفكاري، ذكرياتي وتاريخي، انظر إليه كعدوٍ يتربص بي كل عمري، وكأننا نخطط لهذه المبارزة منذ خلقنا، يقترب مني، أقاوم قليلاً، هل يريد خطفي أم مواساتي؟ لاتوقعات اتجاهه،ولامبررات لديه لأفعاله، يقترب خطوة، فأقترب عشر خطوات رغم ترددي، ليت عصى موسى تورّث، أمسح أنفي بظهر يدي، أبكي، ولاشيئ يبكي معي، أشتمه، ولا يرد الشتائم، أضربه بكلتا يداي، ولايشعر، أقترب أكثر، ربما سيحنو علي هذه المرة، أصرخ عالياً : «لامفر منك ياغدار»، أتسائل، لماذا لايشبع، لايمل، غاضب، ثائر ولكن هدوء كل الكون يبدو على وجهه، كيف يجمع كل هذه الأضداد؟ أتوجس من أن لديه ألف طريقة وطريقة للإنتقام مني، أتذكركل شيئ في هذا المكان، تعرفنا الأمكنة، نحن الذين نهرب منها وإليها، أسير إليه ولأول مرة مستسلمة، رافعة راياتي لوضع نقطة، أريد الذهاب إليه، لاشك أنه ينادي بأسمي كأسطورة مخلدة، أمضي ولاشيئ خلفي، أفكر كل يوم بأن على الإنسان أن يقدم درساً للطبيعة، وهو ألا يخاف، أن يبارزها، أن يسير إليها مهما حاولت حرق قلبه وقهره، أن تتعلم الطبيعة أنه لاتوجد قوة تساوي قوة قهر الإنسان، لن أقاوم، فعدم المقاومة أيضاً شجاعة مثلما تكون المقاومة كذلك، فمثلما الشمس تأتي كل يومٍ بضوئها، فلربما يأتي بك هو أيضاً، في اليوم التالي ضجت وسائل الإعلام بخبر إنتحار امرأة ألقت بنفسها في البحر، يُقال أنها فقدت ابنها غرقاً في البحر السنة الماضية.
كتبت نورا

0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟