الحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم هدايةً ونورًا ، وجعل فيه ما يصلح حال عباده ، ويهديهم إلى السعادة والفوز في الدنيا و الآخرة . والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين و إمام المتقين سيدنا محمد و آله وصحبه أجمعين ، أما بعد:
فإن من أعظم أهداف القرآن الكريم ؛ بناء الإنسان على الصورة المثلى التي يستحق بها أن يكون مستخلفًا في الأرض ، مكرمًا على جميع المخلوقات ، ويؤدي مهمّته في الحياة كما أمرَهُ خالقه ، ويفوز بالثواب العظيم في الآخرة على قيامه بهذه المهمة .
وجعل الله للإنسان منهجًا يسير عليه في هذه الحياة ، وهو شرعه القويم ؛ الذي أنزله في كتابه الكريم ، و ألزمه اتّباعه ، والسير على نهجه ، فمن اتبع هداه ؛ فقد سار على الصراط المستقيم ، و الدرب القويم ، ومَن ابتغى الهدى من غيره ؛ حاد عن المنهج الذي رسمه الله له ، وشطّ عن جادة الصواب ، قال تعالى : ﴿... قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16) ﴾ [المائدة : 15 ، 16].
ويَجدُرُ بنا بعد هذا التمهيد أن نقف على أثر القرآن الكريم على الجوانب المتكاملة للمسلم ، ونتطرَّق إليها – بشكل موجز – في ثلاثة مطالب - ولسوف أقتصر على بعض الجوانب فقط - ، مع التأكيد على أن الكائن الإنساني وحدة مترابطة ممتزجة الأجزاء ، لا ينفصل منه جسم عن عقل عن روح ، ولكن سأضطر اضطرارًا إلى الحديث عن كل جانب على حدة ؛ ضرورة بحث لا رصيد لها من الواقع .
المطلب الأول: الجانب الوجداني
إن منهج القرآن الكريم في بناء الشخصية المسلمة ؛ يقتضي البَدء ببناء الجانب الإيماني أوّلًا ، لما له من أهمّيّة في تكوين العقليّة الإسلاميّة ، التي تُعَدّ بمثابة القاعدة الفكريّة ، التي يقيس عليها المسلم صوابيّة وخطأ أي فكر يُعرَض عليه ، ولتوقّف بناء وضبط المقوّم السلوكي في الشخصيّة المسلمة عليه كذلك. [فرج حمد سالم الزبيدي :14].
والإنسان الذي يعيش مع القرآن الكريم ، تلاوةً وتدبرًا ؛ يكون وثيق الصلة بالله ، وليس أعظم من أن يكون الإنسان من أهل الله ، بل من خاصته ، الذين يشملهم بعنايته ، ويكلأهم برعايته ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( إن لله أهلين من الناس ، قالوا : يا رسول الله ، من هم؟ قال: هم أهل القرآن ، أهل الله وخاصته ) [أخرجه ابن ماجة في سننه ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة] .
فالإيمان وما يشيعه في قلب المسلم من ثبات في الفؤاد ، وقوة في اليقين ؛ يؤدّي إلى الاتزان الانفعالي والعاطفي والعقلي ، قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ .[الرعد : 28].
ويقظة ضمير المسلم ، ومراقبته الدائمة لله ؛ الذي يمكّنه من التحكم في ذاته ومن السيطرة على نزعاته وغرائزه ، فيعيش حياته وهو يحمل رصيدًا مناسبًا من الأسس النفسية السليمة ، ومن الصلة القوية بالله ، ومن يقظة الضمير ، ومن القدرة على التحكم في الذات ، والسيطرة على نزعاتها وغرائزها. [محمد جمال الدين علي محفوظ :108].
وحين توجد في الوجدان هذه المشاعر ؛ تستقيم النفس ويستقيم المجتمع وتستقيم جميع الأمور.
المطلب الثاني : الجانب العقلي المعرفي
يُعَدّ بناء الجانب الوجداني ؛ هو القاعدة التي يقيم عليها الإسلام بناءه كله ، وسنرى في هذا المطلب والمطلب الذي يليه كيف يتصل بناء الجانب العقلي والجانب السلوكي كلاهما بالقاعدة الروحيَّة الوجدانية ، وتمتزج بها ، وتترابط معها فتكون بناءً واحدًا متكاملًا .
العقل البشري طاقة من أكبر طاقات الإنسان ، ونعمة من أكبر نعم الله عليه ، قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ [الملك : 29] ، و"الفؤاد" يستخدم في القرآن بمعنى العقل ، أو القوّة الواعية في الإنسان .
ويبدأ الإسلام بناء العقل ؛ بتحديد مجال النظر العقلي ، وهو ما يقع في دائرة الحس ، ويصون الطاقة العقلية أن تتبدد وراء الغيبيَّات ؛ التي لا سبيل للعقل البشري أن يحكم فيها .
فكان منهج تلقّي العقيدة عند السلف يقوم على عدّة أسس ، منها : التسليم لما جاء به الوحي ، مع إعطاء العقل دوره الحقيقي . [الريس ،2012 :86].
وقد جاء مدح المؤمنين في القرآن الكريم - لكونهم يؤمنون بالغيب - في آيات عديدة منها ، قوله تعالى: ﴿ ... هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾ [البقرة : 2-3 ].
وآيات القرآن العظيم توجّه إلى التفكّر والتدبّر والنظر ، و إعمال العقل واللّب في الوصول إلى الحق والصواب ، ولهذا ختم الله تعالى كثيرًا من الآيات بالأمر بذلك والحثّ عليه ، كما في قوله سبحانه: ﴿لعلكم تعقلون﴾ ، ﴿أفلا تعقلون﴾ ، ﴿لآيات لقوم يعقلون﴾ ، ﴿وما يذّكّر إلا أولوا الألباب﴾ ، ﴿لعلّهم يتفكّرون﴾ .
والإنسان مهما بلغ في درجات العلم المادّي البحت ؛ فإنه لا يزال قاصرًا عن أن يحيط علمًا بكل شيء ، قال تعالى: ﴿ ... وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85].
فنجد أن الإسلام اتخذ طريقتين لتدريب العقل على طريقة الاستدلال والوصول للحقيقة وهما :
الوسيلة الأولى: وضع المنهج الصحيح للنظر العقلي ، فيعيب المقلدين الذين يقولون : ﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 23] ، ويعيب الذين يتبعون الظن؛ قال تعالى: ﴿ ... إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [النجم: 28] ، ثم هو يأمر بالتثبت من كل أمر قبل الاعتقاد به واعتناقه ؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ .[الإسراء: 36].
الوسيلة الثانية: وهي تدبّر نواميس الكون ، وتأمل ما فيها من دقة و ارتباط ، وقد أرشد الله تعالى في القرآن العظيم ؛ إلى أن الكون بحقائقه يتفق مع ما جاء في القرآن العظيم ، و أن العلم الصادق يزيد الإيمان في النفس ، فقال جل وعلا: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾. [فصلت: 53].
وعليه ؛ فإن العقيدة الإسلامية تعدّ الركن الأساسي في بناء شخصية المسلم ، لأنها تشكّل القاعدة الفكرية التي يبني عليها تصوّراته و أفكاره وتصديقاته عن الوجود والموجود وطبيعة العلاقة بينهما ، وبالعقيدة الإسلامية كذلك ؛ يكوّن مفاهيمه عن الأشياء ، تلك المفاهيم التي تتحكّم بمشاعره وتنظم سلوكه. [فرج حامد سالم الزبيدي :26]
المطلب الثالث : الجانب الحركي السلوكي
بعد أن تعرّفنا في المطلبين السابقين على أثر القرآن الكريم في بناء الجانب الوجداني ، والجانب العقلي المعرفي ، في بناء الشخصية المسلمة ؛ نتناول في هذا المطلب أثر القرآن الكريم في بناء الجانب الحركي والسلوكي في الشخصية المسلمة .
والسلوك الإنساني من وجهة نظر علم النفس الحديث ؛ يشمل كل الأفعال والنشاطات التي تصدر عن الفرد سواءً كانت ظاهرة أم غير ظاهرة .
فالسلوك هو الجانب الأهم في تكوين النفسية , والقرآن الكريم يشير إلى أن النفس مستودع الكثير من الدوافع السلوكية , وأن الإنسان مسؤول عن جميع سلوكه , قال تعالى : ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [النحل : 111 ] , وقال تعالى : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [المدثر:38] , فالنفس تكسب عملها بمحض حريتها واختيارها وإرادتها , فهي رهينة عملها الذي سيحاسبها عليه الله عز وجل .
أهم القواعد الضابطة للسلوك ؛ التي تناولها القرآن الكريم :
1- تحديد الغاية الحقيقية للسلوك :
فغاية السلوك لا تقف عند حدّ إشباع جوعات الغرائز والحاجات فقط - كما في نظريات علم النفس الغربي الحديث - ؛ وإنما تتعدّى إلى تحقيق مرضاة الله تعالى ، فليست الدوافع كلها للدنيا فقط ؛ بل هي تتعدى ذلك إلى دوافع تدفع الإنسان لعمل الخير ؛ رغبة في ثواب الله في الآخرة ، قال تعالى: ﴿ ... وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... ﴾. [آل عمران: 185].
2- تقييد السلوك بمفهوم الحلال والحرام:
من منظور قرآني؛ تُعَدّ جوعات الغرائز والحاجات العضوية دوافع معبّرَة للسلوك ، وجعلها من درجة المقاصد الضرورية ؛ لتعلّقها بالحفاظ على الحياة ، و لكنه لم يترك طريقة إشباع دوافع السلوك بدون ضبط وتنظيم ، وكذلك لم يُسنِد طريقة ضبطها وتنظيمها إلى الإنسان نفسه ؛ بل أسندها إلى الوحي المعصوم ؛ فجعل الالتزام بطاعة الشرع هو ميزان اعتبار الأعمال شرعًا أو ردّها ، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 33] ، فالله سبحانه ؛ أراد من الإنسان - بخلاف الحيوان - أن يسلك في إشباعه لهذه الجوعات سلوكًا راقيًا منظّمًا يليق بإنسانيته ، وموافقًا لتكريم الخالق له ، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ...﴾ [الإسراء: 70] ، فأوجب الله تعالى على الإنسان ؛ أن يجعل أوامر الشرع في الحلال والحرام معيارًا في سلوكه.
3- علاج ثغرات السلوك بالتوبة والتعزيز:
فالإنسان بطبيعته خطّاء ؛ كما قرّر هذه الحقيقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبيّن طريقة علاج هذه الحقيقة ؛ حيث قال: (كل بني آدم خطّاء ، وخير الخطّائين التوابون) [صحيح الجامع].
فالإسلام راعى الطبيعة الإنسانية المتّصفة بالضعف ، والمجبولة على الميل إلى الشهوات والمغريات؛ فعالج مسألة ثغرات السلوك في الشخصية المسلمة بأمرين ، وهما : فتح باب التوبة ، والتعزيز السلوكي عن طريق نظرية العقاب والثواب .
ونخلص من هذا البحث المتواضع ؛ بأن القرآن الكريم له أثرٌ واضح وبارز على سمات شخصيَّة المسلم ؛ إذا لازَمَهُ المسلم تلاوةً وتدبّرًا وتطبيقًا ، لذلك أوصي بتدريس القرآن الكريم تلاوةً وحفظًا وتفسيرًا للطلّاب والطالبات في جميع المراحل التعليمية - بما في ذلك المرحلة الجامعية - ؛ لأن شرف العلم من شرف المعلوم ، ولا أشرف ولا أكمل من تعلّم كتاب الله تعالى ؛ ولما له من آثار ايجابية على تجاوز المشكلات السلوكية والنفسية .
واللهَ أسأل أن يجعلنا جميعاً من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته ، والله ولي التوفيق .
كتب محمد بن بدر العقل

0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟