بزغت الشّمس بهيجان ببداية شهر يوليو طلعت بخيوطها المذهبة من مرقدها لتخبئ لنا المفاجآت
بدأت الأم "حصة" ببداية صباحها بالصراخ على ابنها "صالح" قائلةً: "قم أيها الكسول الأبله "
يُتمتم صالح بعبارات لا تُفهم مُستعصية التفسير ولكن يبدو المعنى واضحاً بإحدى عينيه فقد دخل إليها بصيص النافذة والأخرى غارقةً بالنوم يدلك سبابته بمحاجر عينيه يستطرد اليوم أي من الأيام الأسبوع؟
ترد الأم بامتعاض: الاثنين
صالح: يوم الرحلة !
يقفز من سريره الذي يحمل صورة "الوطواط المقنع " بفرحٍ عارمٍ ليس له مثيل ليس فرحاً بالنزهة بل بالتهرب من حصة الرياضيات لأنه تفزعه الأرقام، جداول الضرب وضرب المعلم بباطن يديه إن غش و قهقهة التلاميذ وهو واقف في آخر الفصل بقدماً واحدة طوال الحصه وضجر المعلم (طه) معلم اللغة العربية :لأنه لم يحفظ قصيدة فهد العسكر سوى مقطعاً واحداً" كُفّي الملام وعلّليني فالشكُ أودى باليقينِ" ،مردداً اليوم سوف أنسى العقاب بلا جريمة
يستعد للذهاب إلى الساحة الخلفية للعَلم أمام الباصات الخلفية، الطلاب متجمهرين حول بعض كل شخص يمسك الشخص الآخر بكتفيه، ينظم المعلم (سالم) معلم البدنية حاملاً معه صفارة حمراء يخبر الطلاب بالتعليمات والضوابط ثم وصلت الحافلة إلى المكان المناسب بعد الإنتهاء من الأناشيد والأهازيج الذي يردده الصبية خلال كل رحله يتهجى صالح الحروف الموجودة داخل اللافتة ذو الخلفية الزرقاء والحروف البيضاء (د ا ر ال رعا ية لل مسن ين)
سائلاً المعلم: أكُل شخص مسن يدخل إلى هذا المكان
لا يجيب المعلم وربما لا يملك الإجابة المطلقة
دخلوا إلى المكان برفقة المعلم وترتكز الروائح حوله وتختلط بعضها ببعض المسك، العود ،الحنة ،البن، مواد التنظيف وروائح الأدوية ،المكان يعج بالفوضة الممرضين تعلوا أصواتهم أمام الغرفة (8) في الطابق الأرضي متجمهرين افتح وصوت يردد كمسجل افتح الباب يا "أبا أحمد"
لا يفتح يهددونه بكسر الباب لا يفتح أيضاً ثم حاولوا تهدئته بكل الطرق ينادي المعلم سالم لنذهب صالح يترقب المشهد ويستغرق مذهول ويسأل ذاته بصوت مهموس لماذا لا يفتح الباب ؟
يتسلل كلص بعدما ذهب الكل إلى عمله ولا أحد أمام الغرفة (8) يشعر بصوت داخله يلج عليه بالذهاب، يطرق طرقة واحدة ولا يسمع أي صرير الباب يرى ورقة بيضاء مطوية تحت الباب إلى عابر الطرق !
يثير فضوله يفتح الرسالة يجد مفتاح عتيق باهت اللون يدخل الغرفة المكان له رائحة مختلفة الصور معلقة بالجدران الإبل ورجل تملؤه سمرة الصحراء الشاسعة وعبارة مكتوبة بأحد الحيطان "الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفُني" يتعجب صالح من أمره أين هو؟ تتأرجح الأسئلة في دماغه
يجلس وقراءة الرسالة
أيها العابر السبيل أما بعد:
سمعت أن الدار قبلت بالرحلات ربما تكون أنت منهم وشعوري يقول أنك منهم لآن اليافعين فضولين وأنت فضولي وإلا ما وقعت بيدك هذهِ الرسالة أريد أن اخبرك واختصر عليك هذا العناء والبحث وراء الأشياء هذا المكان لا يسع للجميع يكتفي بأثقال ساكنيه في البداية ربما تلقى الست "امينة" التي توزع التمر المحشو المزين بالفستق بالمناسبة قد لا يطرى عليك هذا السؤال لماذا توزع هذا النوع رغم جميع الاصناف ؟ هو طبق ابنها الذي تركها بسبب وشايا زوجته أو قد تلقى "صفية" الذي تحمل صوره رجل يجلس وخلفه أشجار النخيل ، إذا كنت دقيق النظر قد ترى ملامحها شاخت كثيراً وكل شيئين فيها يجود منه شيء واحد صالح: عينها اليمنى معصوبة والأخرى تعمل ويدها تتحرك والأخرى خامده والقلب بأي اللحظة ، قد يصبح مستقيم ليست صدفه الموجود في الصورة هو فعل ذلك الركض خلف الورق الباهت اللون أن يشيد البرج العاجي المصنوع من صلصال حارق أو ربما قد لا تلتقي بعجانة الحكايات* العمة منيرة* التي يديها لا تخلو من الحنه وبقربها صندوق بني عتيق على حوافه إطار ذهبي داخله كل الأشياء التي كبروا عليها اولادها ونسوا وهي لم تكبر عليها ولم تنسى والدتهم التفاصيل الصغيرة ( حذاء رياضي ابيض , تي شيرت رياضي يحمل رقم 7 ,مسدس مائي ,نظارة لعبة بهيئة مصارع ,فستان بحجم اليد مزكرش بخيوط مصنوعة من الدانتيل) والمفتاح المعلق في جيدها هو مفتاح دارها التي تراكم عليها الغبار كما تقول واختفت ملامحها المصنوعة من طين الذكريات والحنين مضت كما تقول سنون كثيرة وإلى الآن محفورة في عقلها ذات مرة أخبرتني أن نشب نزاع بين أولادها بثمن المنزل يسوى الكثير من المال مطل على شارع وبمنطقة ساحلية رفضت وتقول " ولو للحيطان والبلاط والاسقف حواس لأجمعوا على الرفض هناك أشياء لا تشتري" بالرغم أنها لم تتعلم كما تعلمت أنا إلا أنه كلامها يفوق الحكاء ويشد الانتباه كانت قصصها لا تنفذ ولا تضيق تجول بالتاريخ وتنقلنا إلى حيث شاءت كانت لديها وصية واحدة دائماً لا تغرك الأشياء هناك أشياء لا تشتري كنت أتمنى تلتقي بها ولكن الموت كان الأسرع تركوها هنا لا اعلم لماذا اسرد إليك ولكني أشعر بضرورة المغادرة ولا اريد أن ترى هذا المكان كما يريدونك أن ترى القصص تختلف كل شخص هنا عاش ما يذيب الحبر ولا يحمله الورق ،هذهِ القصة القصيرة مبتورة كما بترت الرحمة من بعض الأنس .
يختنق المكان بالصمت يشعر صالح يدية ترتجفان يشعر بالبرد في وسط الصيف بالاختناق غشاوة سوداء كثيفة تحوط جفنيه تنسكب عينيه على الورق يشعر بأنه دخل مستنقع ليس فيه نجاة يكبر فوق عمره بأعوام كل شيء لا يحدث هنا صدفه ،لقى جيم الجواب لسؤال المعلم "سالم" في بداية الرحلة ، المكان الذي يسمع دائماً عنه ولا يعرف ماهيته وحكايات التي تؤلم نياط القلب يسمعها عن قرب مخاوفه ما عادت هي مخاوفه كان دائماً يشعر هناك وقت متسع أن يهتم بوالديه او أن يحقق ما يرغبون شعر بهيمنة الموت وقسوة الحياة ووحيشه الأنسان اصبح يتساءل بشأن من تركوا والديهم هنا لماذا ضاق القلب عن احتضانهم وتسعت الأرض التي لم تلدهم ولم تخبى صورهم في المحفظه ولم تضع كل اغراضهم وألعابهم وما يشتهون ومايحبون بجانبهم داخل صندوق مقفل ؟ ومفتاح الدار الدار الذي نسوها وأصحابه الدار ماتوا محملين بعبء الذاكرة وعلم في النهاية أنه داخل المكان وخارج العالم: عالمه الذي اقصى ما يريد أن لا يذهب إلى المدرسة أن يترقب تداخل الألوان في الغروب وشعوره العارمِ بالسعادة عندما يرى المال صدفه في جيبه وطهي والدته أكلته المفضلة وأن ينام بعد أن يتعب من مطاردة في حرب النجوم يوم يفوز ويوم يخسر ويوم يهبط إلى عالم لا يعلم عنه شيء يشعر بشعور ينتابه بعد أن انتهى من قراءة الرسالة وتأكد أن النظر لا يكفي إذا لم ننظر إلى معاناة من حولنا والأمان والوجع هنا ونقيضة هناك.
كتبت مرام الحربي

0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟