نعيش ونرتطم بالكثير من الرغبات والأحلام والأهداف، بعضها يعلق فينا طويلاً ثم يزول، وبعضها الآخر لا يتمكن منا، وبضعة منها تعيش في داخلنا، تتكور، تنمو، وتكافح من أجل البقاء، ونصارع كل شيء من أجلها، حتى تصير شيئاً يمكن ولادته، وهو ما يسمى بالشغف، والكتابة بالنسبة لي شيء كهذا.
وبين ما نتمناه وما نريده يقع حد فاصل، فأن أتمنى شيئاً يعني لو أن بوسعي لفعلته، وأما أن أريد الشيء فتعني أن أفعل كل ما بوسعي لتحقيقه، فالإرادة هي ما يحدد قوة الشغف، والشغف كالنار، قد يبهت تارة، أو يشتعل تارة، وقد ينطفئ لوقتٍ طويل، ثم تسقط فوق رأسك عبارة بحجم العالم، تكاد تقتلك لا أن توقظك من غفلتك وحسب، فأحياناً كثيرة لا تكفينا مجرد شُعلة ضئيلة، فصقيع الوجود كفيلٌ بإخمادها ودفنها تحت أكوام آراء الناس وما ينتظرونه منا، ومهما كانت النتيجة التي بين يدي في النهاية، فلا بأس ولا ندم؛ لأني فعلت كل ما كان يمكنني فعله وحاولت، وكم تكفي المحاولة.
وليس الشغف شيئاً لذيذاً حلواً ومُبهجاً، في الواقع لا يفترض به أن يكون كذلك، فالطريق طويل، وممتلئ بكل ما تكرهه أكثر مما تتخيل، وأن تكتشف نزعتك إلى الكتابة لهو أمر سهل، مقارنةً بكل ما سيأتي بعده، تجتاحك الكلمات وتحارب في وجه أمواج الأفكار، وتعيش حرباً مستمرة، بين الكاتب الذي يريد أن يمرغ وجهه بين الصفحات البيضاء الشاسعة بإفراط وسذاجة، وبين كاتب يحاول ما استطاع أن يقتل الكاتب الأول برصاص النقد ومدافع تهز أركانك ليسقط كُل شبرٍ ربما يتعلق به ذاك الساذج الأخرق، إنها دوامة لا تنتهي، ثم تصير إلى حالة عجزٍ غير مفهومة، سُميت "حبسة الكاتب"، و "متلازمة الصفحة البيضاء" في قول آخر، في حين أنكر وجودها البعض، وأنت ما زلت تحاول أن تجمع شتات لغتك، وتدعو الله بكل ما تعرف من دعاء أن يَمُدك بكلمة واحدة وحسب، كلمة واحدة.
ليس سهلاً، ولا أظنه يجب أن يكون كذلك، وطريقك الطويل لابد أن يمتلئ بالقراءة، بل لابد أن تغرق بالقراءة المستمرة؛ لأنه لا كتابة بغير قراءة، فاللوحة البيضاء لا يمكنها أن تصير شيئاً دون الألوان، ودائرة مفرداتك لن تتسع أبداً، وعدّاد حصيلتك اللغوية سيبقى جامداً، وستبقى كلماتك تدور في عجلةٍ لا تتوقف، ومهما كتبت فلن يتغير أي شيء، وفي النهاية ستتحلل ذائقتك وتتفتت ولن يكون لديك أي شيء يمكنك قياس جودة عملك به، وستتداعى كل الأركان التي سعيت لبنائها، ثم يسير شغفك في طريق الفناء.
قد يجتذبك كل كاتب لمساحته الخاصة، وتتقصى طريق كل واحدٍ منهم، ثم تحاول أن تجزء نفسك لتسير في كل الطرق، أملاً في أن تصل إلى ما وصلوا إليه، غير أن الحقيقة التي لا مفر منها أن لكل منا طريقاً خاصاً به، وربما تتشابه طُرقنا أو تتلاقى أو تتقاطع، ولكنك في النهاية لا يمكنك أن تسير إلا في طريقك وحدك.
الكتابة ليست أمراً بسيطاً ويسيراً، هي عمل جاد والتزام تام، والكثير جداً من القراءة التي لا تتوقف أبداً مهما كتبت، فأن تكون كاتباً، يعني أن تمتلك المقدرة على ابتلاع بحرٍ كاملٍ من الأحداث والأفكار والأحاسيس ثم تقيؤه على شكلٍ أدبي، قد يكون روايةً، خاطرةً أو شعراً، وأن تستطيع سكب أفواجٍ شتى من المشاعر المُتراكمة والمتكدسة داخل كتاب.
ولتكتب فأنت بحاجة إلى شخص واحد فقط، شخص واحد يؤمن فيك، يؤمن بقوة أحرفك، بصلابة مفرداتك وسِعة حصيلتك اللغوية، يؤمن بتميز تشبيهاتك وبتفرد بَوحك، لتكتب أنت بحاجة إلى أن يثق بكلماتك شخص، أن ترى اليقين مرسوماً في عينيه رسماً، لتكتب أنت بحاجة إلى أن يكون هذا الشخص هو (أنت).
كتب ياسمين علاء محمد

0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟