النسيانُ صعب والتناسي أسلوب عيش. نحنُ لاننسى مانريدُ نسيانه، يسقطُ كوب القهوة  بالخطأ فألتقطُ صورة لقطرات القهوة المتناثرة على الأرض ومن ثم أبحثُ عن العامل صاحب المنشفة لإصلاح الخطأ فمسحَ البقعة ولم يعد لها وجودٌ بعد ذاك اليوم ، ولكن ! الصورة التُقطت ولازلت محفوظة! ، نحن لا ننسى مانريدُ نسيانهُ لا ننسى الآلام ولا ننسى الأحزان ولا ننسى لحظة الكسر والضعف و التشتت التي تجتاحُ حياتنا، لا ننسى لحظات الظلام التي لم يكن فيها معنا أحدٌ سوى الله ، كما اجتاح هذا الوباءُ الذي يسمى ب "كورونا" حياتنا وسلب أماننا وبعضُ أحبابنا، على الرغم من مرور العام إلّا أننا لم ننسى مانريدُ نساينه.  لم ننسى ما قاسيناه لم ننسى لحظات الخوف اللحظات التي توقف العالم كلّهُ أمام شيء لايُرى بعينٍ مجردة ، والقلوبُ خائفةً تترقب لحظة الفرج وأن يقال " تم القضاء على الوباء بفضلِ الله" ،و أصبحت الكورونا أسلوبُ حياة ، والكمامات و المعقمات منهاجُ حياة 

في أواخر فبراير من عام ٢٠٢٠م طرق فايروس كورونا أرضُ الكويت، وبدأت نوباتُ الهلع تطرقُ أبواب بيوتنا، مازلنا لا نعرف مدى أضرار مايُسمى ب " كورونا " فسرعان ما أغلقنا أبواب بيوتنا خوفاً منا علينا، وسرعان ماتطور الموضوع إلى كارثة عالمية ! ولكن كيف؟ ومن أين ؟ وما الذي حدث؟ وإلى أين نسير ؟ وهل سنصل إلى بر الأمان ؟ تساؤلاتٌ كثيرة تتخطرُ على عقول البشرية جُمعاء ولا إجاباتُ لها ترى النور ،أُغلقَ كلُّ شيء مطاعم مقاهي أماكن عامة مدارس !، ثم استوعبنا أن كورونا حقيقة وأنّهُ بالوحشية التي لم تخطر على بالنا قط! أنه يقتُل أرواحاً بريئة ! ويفرقُ الأحبة، كم هو قاسي هذا الوباء قاسي جداً. وكوني على أشراف التخرج من الثانوية العامة بنيتُ مستقبلاً بيدي وسهرتُ وتعبتُ أياماً طويلة وليالٍ ثقيلة لأصل إلى جُزءٍ من حُلم غُرسَ شغفُهُ في قلبي وسكنَ حبُّهُ في روحي، إصرارٌ قويّ مرتبطٍ بعزيمةٍ قوية،بعد توقف المدراس بدأ الرعب يخيمُ على خريجي الثانوية ولكن ماذا عن مستقبلنا ! هل ضاع ! هل أنتهى كل شيء ! لا أخبارٍ جديدة عن الساحات الدراسية ! ، ومازلنا على هذا الحال خائفين نترقب. ومن ثم يتيسرُ التخرج بشكلٍ لا يخطُر على قلب! بفصولٍ  إفتراضية  عدنا وعاد اللقاء ولكن عن بُعد ، ونحصل بفضل الله على ماتمنينا طول مسيرة علم نيّرة دامت ١٢ عام . وفجأة تُغلقُ بيوتُ الله وتُكسر قلوبٌ تعلقت بها من فجرِ الله إلى دجى الظلام تراهم هُناك يحبون سكينة هذا المكان فكيف يهون عليهم فراقه ! ، وزاد على نداء حيَّ على الصلاة " ألا صلوا في رحالكم " لم نعتد على سماعها من قبل !  أ إلى هذه الدرجة أنتَ قاسٍ يا  وباء ! وحدث مالم يخطر على قلوبنا فكيف يتوقف طوافٌ حول الكعبة المشرفة بسبب كائن غير حي لايُرى بالعين المجردة، ولم نعد نرى رجالاً متزينين بلباس الحرم النوراني الأبيض "اذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثورا"، وبقت الكعبة وحيدة وكان منظرها تقشعرُ له القلوبُ والجلودُ والأبدانُ. وهنا تتجلى قدرة الله أنه على كل شيءٍ قدير على كلِّ صغيرٍ وكبير ، وأنّه هو القويُّ ونحنُ الضعفاءُ إليه، وأنَّ تفاصيل حياتنا كلُّها بينَ يديه، وأن اليَقين الوحيد أننا مهما ابتعدنا يجب أن نعود إليه ،وأن القوّة كلها بيد الله فاستعِن به وحده، وتعلّم ألا تخطوا خطوةً إلّا وذكرته ..

رمضان شهرُ الرحمة ، يأتي رمضان كغيمة أمطرت علينا ديمةُ غيث بعد أشهر قاسية، حظرٌ كليّ يُفرض  فتتلاشى بسببه جميعُ الانشغالات والمهام، ونعيشُ تلكَ الأيام  ببالٍ هادئ وذهنٍ صافٍ وكأن الله يُهدينا هذه الأيام لنُعِدّ لشهر رمضان لَطالما انتظرناه فنسيناه بانشغالاتنا التي تسبقهُ بأيام. والآن يأتينا بعد فترة خالية من الالتزامات حتى نتهيّأ، وقد بلغنا الله أيامه و القلوب مؤمنةٌ بقضاءِ ربّها ومتيقنة بفرجهِ الذي حتماً سيكون ، فأصبحت بُيوتنا مساجدنا وأصبحت مجالسنا مجالس ذِكر وتتوالى الأفراح بختماتِ القرآن ويُصبحُ الشرّ الذي حولنا نِعمة  فالبركة حلّت في الوقت و الفراغُ مُلِئ بالخير والإنجاز  والصُحبة صارت أهلنا والأحباب ، والليلُ تزّينَ و تنّورَ بالقيام. ونحنُ بخير ديننا كمـا كان ، بل أفضل إيمانُنا كمـا كان ، بل أقوى يقيننا بالفرج كمـا كان ، بل أشدّ لازلنا نبدأ يومنا بذكر الله "بـ أصبحنا وأصبح الملك لله". وعِشنا رمضان هذا على خُطى الأنبياء ففي كل يوم كنا نتدارس سيرة نبي من الأنبياء عليهم السلام ، ف ماذا لو سرنا على هذا المنهاج منهاجُ النورُ والضياء منهاجُ الرسول-ﷺ- والأنبياء عليهم السلام  هل سيطغى العالم هل ستجتاز الأنفُسُ حدودَ الله ؟ هل سنظلم أنفسنا كحالنا الآن ؟. بدأنا بقصة سيدنا إبراهيم  وهي أكثر قصة استوقفتني وكان ما تعلمتهُ منها هو  أن رمضانك غمامة غيث مُنهمر .. فإذا عرفت أن أرض روحكَ قد أجدبت، فستجب لنداء الحياة وطهّر، يحدث أن تكتشف في مرآة حياتك ندبة سوداء هنا أو هناك وتحديداً في قلبك، يحدث أن تراجع حساباتك فتجد بعض المعلقات من الحقوق والواجبات التي صرفك عنها سوء حظ نفس أو نزوة لحظة ! ، يحدث أن ترجو لو أن غيثاً يهطل على روحك لتحيا ، لو أن قلبك يتعرض للنفحاتِ فينتبه ، يحدث أن تقول كيف لهذا القلب أن يرق وكيف لهذه الرّوح أن تفِق! خذ نفساً عميقاً أصغِ سمعك وقلبك وكن ك إبراهيم حين ناداه مولاه فقال له "طهّر" طهر موضع نظر الربّ منك ، طهر نفسك من النفس والهوى ومن الذنو بصغيرها وكبيرها ، طهّر ؛ لطيبَ المقامُ للعاكفين والقائمين ، طهّر ؛ ليعكُفَ هذا القلب على ربه فلا يغفل ، وليقوم لربه فلا يكسل ، طهّر ؛ لينتبه القلب فتحطُ فيه الأنوار  ، طهّر فغيثُ رمضان أينما وقع عطّر ونفع. أمّا القصة الثانية التي استوقفتني وسكن حُبُّها قلبي وروحي هي قصة " اللقاء" يعقوب ويوسُف عليهما السلام ومن لايعرف هذه القصة العظمى والعِبرة الكبرى. كيف حِيكت خيوط تلك الكذبة كذبة " أكله الذئب " بيْدَ أن يعقوب لم ينسى ربما أنه تناسى ولكن لم ينسى ، وكيف" تساورت يعقوب الهموم وتشبعته الأحزان وأقضَّت مضجعهِ الكروب ولم يعد يجد متنفساً لهمه أو سلوةً من ألمه الا ساعتين : ساعة يفزع فيها إلى ربه يصلي ويسجد ويتحنث ويتهجد  مستلهما منه الصبر مستنجداً بالإيمان واليقين ، وساعة يقضي فيها حق الذكرى لولده الفقيد ، يستنجد بالدمع ويستروحُ بالبكاء فتسح جفونه و تفيضُ شؤونه، لم ينسى صرخته " يا أسفا على يُوسُف ". ونحنُ نتدارس هذه أحداث هذه القصة ونأخذُ منها العِبرة واذا فجأةً تنفجر جدتي بكاءً من دون سابق إنذار ! والتممنا جميعُنها حولها وبادرتُ أنا بالسؤال الأول ما الخطبُ ياجدة فقالت: "تذكرتُ فَقدُ ولدي الذي لم أنساهُ يوماً تظاهرتُ بالنسيان ولكنني لم ولن أنسى حشاشةُ جوفي وقطعة من قلبي رحل عني واهو ابن السادسة في يومِ جُمعة صباحٌ مشرق معطّرٌ بذكر الله وأنا أُجهزهُ لصلاةِ الجُمعة ولم أعلم بأنني كنتُ أُجهزهُ لمثواه الأخير ، فقد كان يومها ملاكاً على هيئة بشر تفوحُ من جسده أشهى روائح العطور والبخور، مقلاتهُ تتوهجُ وتتلألأ ولبسهُ أبيض كبياضِ الغيوم واستودعتهُ الرحمن وقد ضممتهُ قبل أن يذهب للمسجد بدراجتهِ هو وإخوتهِ ولكن الغريب أنه عاد وضمني مرةً أخرى بعدما ضممتُهُ للمرةِ الأولى وكأنه يودعُني لأخر مرة وخرج من البيت للمرة الأخيرة وفجأة! اذ أشعرُ بكسرٍ في روحي وأن قطعة ًفُقدت من قلبي ، لا أعلم ما هذا الشعورُ الغريب الذي اجتاح فؤادي ولكنهُ يخفي ورائه تنبيهٌ عظيم، واذ أخرج من بيتي من دون شعور ولا أعلم إلى أين تأخُذني أرجلي واذا بالناس ملتمين يطلبون النجدة والإسعاف فتيقنتُ أنه حمد أبني هو من دُهس ولكنني لم أره ولكن قلبي يخبرني، وتمنيتُ ألا يكون صحيحاً شعورُ قلبي، ولكنني رأيت وجهه إنه حمد فلذة كبدي يغرقُ في دمه وقدر الله وما شاء فعل ولا نقولُ إلا مايرضي ربنا رحل حمد وكسرقلبي وروحي،  ماذا أخبركم عن آخر وداع بين أمٍّ وطفلها، ملفوفٌ بكفنٍ أبيض كأنه رضيعٌ  في لحظات الولادة الأولى، وجهه نيّرٌ ناصعُ البياض مبتسم طير من طيور الجنة ، وفي المقابل أمٌ وجهها شاحب و قلبُها متفطرُ حزناً و قد كساها سواد اللباس ليس إعتراضاً على قضاء الله بل شوق اللقاء ومرارة الفراق ، متمسكةً بقولٍ  ثابت لا اله إلا الله متذكرةً أجر الصابرين  " إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ" ، رغم طول السنين إلا أنها لم تنسى ماتريدُ نسيناه لترتاح من همٍّ شكاها و مازال هذا الفقدُ الأليم يجتاحُ ذاكرتها منذُ زمنٍ انقضى ومازلنا على هذا المنهاج( نحنُ لاننسى مانزيدُ نسيناه) لحظاتُ الفقد والكسر والخوف والمرض ، لم ولن ننسى هذه الجائحة التي أخذت أرواحاً ثمينة وقتلت أنفس برئية ، هل أخذت الدرس يا إنسان هل تعلمت ؟ هل ستظلم ؟ هل ستطغى ؟، هل تعلمت أن لكل شيءٍ حدّوأن كل شيء عند ربكَ يقِف ؟، هل يجب أن تفقد وتنكسر وتضعف لكي تتعلم الدرس ؟ ، نعم .. نعم أنا شخصياً تعلمتُ الدرس  منكِ ياكرورنا.

التناسي لا يُنسي والإنسان لاينسى، ليس كل خطأ صُحح بمنشَفه لم يعدُ له وجودٌ أو أثر ، لأن الصورة التُقطت في الذهن ولاتزال محفوظة !،يُقال أن " الوقت كفيل لنسيان الماضي لنسيان المواقف الصعبة والمشكلات فاشغل نفسَك بغَيرِها حتى تُمحى من ذاكرتك " لكنني أقول أن الصورة لازالت موجودة، بكل إختصار .. نحنُ لاننسى مانريدُ نسيانه. وما جائت كورونا إلا لتربي هذا الإنسان أن تقول له كفى كفى ، وإن لكل شيء حد. الحظرُ قد  رُفع و الحياة تعود تدريجياً بل وبعجلة تسارُع أيضاً ، وبعد أيام طويلة كانت أم  قصيرة سنتخلى عن الكمامات والمعقمات وكل مافرضته علينا كورونا ، ولكن كلاً منا  تعلم دروساً من كورونا أو على الأقل درساً واحداً صغيراً سبب تغييراً ، فهل ستكتب تلك الدروس من ضمن قائمة الأشياء التي سنتخلى عنها بعد كورونا ؟ ، أعتقد أن الالتزام الذي سببته كورونا والقوانين التي وُجبَ أن تُتبع كانتمُنتَظرة ، ربما لم تكن عقولُنا مُدركة ذلك ، لكن في القلبِ حاجة ... حاجة للتغيير ، حاجة للابتعاد عن الأماكن المزدحمة ، حاجة لخلوة كل واحد بنفسهِ ، حاجة للتفكير .. لتحريك الضمير ، حاجة للتوبة إلى الله ، تذكر ملصقات " حافظ على مسافة آمنة "  و " أبقى بأمان " واجعلها شعاراً لحياتك وروحك، حمداً لك يا الله سبحانك أنت بيدكَ الحكمة ، سلَبتَ منا أشياء فأعطيتَنا أشياء،  علّمتني أن أتركَ الناس وقيلهم أن آتي إليكَ بكُلّي ، بجسدي وعقلي وقلبي ، وكانت هذه الحِكمة والعبرة ورائكِ يا كورونا لم ولن ننساكِ وفي القلبِ ستظل ذكراكِ لأن الصورة التُقِطت وستزال محفوظة .

كتب عبدالعزيز فهد العبيدان