تتباين الآراء بتباين مواطئ وَعْيِنا في المواقف، وكلٌ منا يرى الأمر من ركن زاويته والتي بحسب ظنه لم يُخلق غيرها، وآخرون يغضّون النظر عن الزوايا الأخرى لأنها ليست على مقاس أهوائهم، ولا يستطيع أياً منا الجزم بمدى صواب أي رأي أو خطئه ما دام لم يتعدّ الخطوط الحمراء للدين والأخلاق والمبادئ والأعراف القويمة، ولا أود الخوض في هذه الأمور لأنها بديهية لكل عاقل، ولكن ما يستفز سكون حيرتي هو إصرار البعض على انتقاص الآخرين لمجرد مخالفتهم للرأي، وإصرار غيرهم على أن يقيّدوا أنفسهم بوجهة نظر معينة دون محاولة التفكير في الخيارات الأخرى المطروحة، أو حتى النظر نحوها من باب الفضول، متجاهلين الحقيقة التي تقول: فكما أن هنالك رأي صائب، هنالك رأي أصوَب!
فقد نسمع أحياناً بأن فلان قد بُحّ صوته وهو يصرخ ويصرّ بأنه على صواب، وآخر يوشك أن يرفع لافتة كُتب عليها بأنه معترضٌ على أمر ما لمجردّ أنه يمتلك حرية الاعتراض، وغيرهم الكثير ممن يتسلحون بالمبالغة في التعبير والإسهاب في الحديث كأسلوبٍ لإثبات صواب آرائهم، وقد نستطيع التجاوز بالطبع عن هذا لكوننا لسنا ملزمين بالحُكم على أساليب الآخرين في التعبير لطالما لم يقم أحدهم باقتحام منزلك ليخبرك بما يفكر به أو ليفرض رأيه عليك، ولكن وإشارة لموضوعي أعلاه، مشكلتي الحقيقية هي مع من يصر على النظر عبر ثقب الباب بالرغم من أن الأمر لن يكلفه سوى إدارة المقبض ثم دفعة صغيرة لتتضح له الصورة الشاملة، ولكنه رغم ذلك يصر على اختلاس النظر عبر ذلك الثقب الضئيل لأسباب معينة في ذهنه، والتي لا يمكن حصرها هنا، كأن يجد المرء نفسه قد كبر على هذا النحو بلا أي تفسير منطقي، أو لاقتدائه بأحدهم لأنه يظن بأن لأحدهم هذا نظرة ثاقبة لا تُخطئ، أو لأن الوضع هكذا أفضل، وإن طالبته بالتعليل ستجده يعقد ذراعيه ومن ثم يبدأ بالتحدث بأمور رائعة لن يتمكن عقلك المتواضع من استيعابها، وهنا ستجزم بأنّ فلان ليس أهلاً للمواجهة، وليس أهلاً للنقاش، ولا يملك قدراً كافياً من الشجاعة التي تجعله يُظهِر نفسه ومن ثم ينصدم بحقيقة كونه على خطأ، فما أشدّ شناعة هذا الشعور، والأدهى والأمر حين يضطر على الاعتراف بذلك، فهنا تكمن الكارثة الحقيقية لديه.
نحن لا ننكر بأن الآراء تتكون بناءً على عدة عوامل قد تكون بعضها خارجة عن إرادة المرء، ولكن كما أن التغيير سنة كونية، فالآراء كذلك قد يطالها التعديل والتغيير، والنقد والتحفيز والإنكار والتأكيد، والجاهل لا يُلام على جهله إلا بعد أن يصرّ على البقاء في شِرك الجهل، حين لا يتزحزح من خلف الباب، حين يُمنح فُسحة من التوسع ولكنه يتمسّك بالضيق لأوهام ترسخت في عقله منذ الأزل، ومن أهمها: يستحيل أن أخطِئ!

1 Comments
مقال رائع وروعته في جدته وأسلوبه الواضح وخلوه من الحشو الزائد عن الحاجه فمتى ما وضحت الفكرة انتهى!
ردحذفسلمت وسلم قلمك..
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟