جلس على طاولةٍ مقصية.. متأملًا صحن طعامهِ الذهبي بابتسامة متواضعة، لم يكن مستعدًا لتناول طعامهِ بعد.. مصطنعًا الراحة و العادية، متجاهلًا اقتناص العيون له .. منتظرًا أن تشفي العيون غليل فضولها فيه، وأن تختم إعلان رفضها له.
يخوض علي الجزء الثاني من المعركة، رفع رأسهُ وابتسم.. باشر طعامهِ، ولكن لشدة بروز أسنانه، كثيرًا ما كان يتساقط الفتاتُ منه وهو يمضغ.. بدى تناولهُ للطعام كعرضٍ حيٍ للمتفرجين.. ليس عرضًا يحوز على التصفيق، فظلوا، من على طاولاتهم الذهبية، و من خلف نظاراتهم الغالية.. يرشقونه بالنظرات و يرمونهُ بالهمسات، حرصت الأعينُ من حولهِ على أن يفهم، إن وجودك خطيئة.
و كان حرص علي، أن لا يلوث صفاء مزاجهِ شيء.. فقام يميل برأسه يمنةً و يسرةً.. مراقصًا ألحان الموسيقى التي كانت تنتشر من راديو المقهى، ويناغم وقع الأوتار وقوع الكعك من فمهِ.. إن الوجود نعيم ! .. قامت مجموعةُ المراهقين من الطاولة التي بجانبه، بغضب مصطنع و اشمئزازٍ متكلف كل الكلفة إلى طاولةٍ خارجية.
أنفرتهم الحياةُ فيني أم الأمل؟
لم يفكر علي بتملقهم أبدا، لكنه راقبهم وهم راحلون، كُلٌ ببزةٍ أشد بريقًا من التي تسبقها، تاركين خلفهم طاولات قذرة وكراسٍ مبعثرة، فكرعلي.. إنهم يشبهون الكريستال الأجوف.. خف ضرب الناس له بالنظرات حيث أنه أنهى كعكته وأمضى يشرب قهوته بهدوء.. لمح موظفًا آسيويًا هزيلًا من خلف صندوق المحاسبة بنظرةٍ تشع بالبؤس واللارغبة.. أرعبه كل هذا اليأس في إنسانٍ واحد، حقًا لا أحد يستحق أن يحبس في عمله مع هذا الكم من المتسكعين المُترفين.. ساور عليٌ نفسه، لعلي أعفيه من تنظيف طاولتي و طاولة الكريستالات الجوفاء فيفرحُ قليلًا.
تردد عن الشروع بمبادرته.. لا يريد أن يقف ويذكر الناس من حوله كم ان له مشيةً غريبة، لم يدر.. هل يجلس و يستمتع بكونه المستهلك السعيد غير مبالٍ بكل القيم الإنسانية؟ ظن لوهلةٍ أنه سيفعل ذلك و يمدد ساقيه.. بعد أمسيةٍ مليئةٍ بالاستحقار و الاستصغار، ظن علي أن قليلًا من التعالي سيجعله يشعر بتحسن.. وإن كان هذا الشعور مستمدًا من اختلاف مكانته الاجتماعية عن ذلك الهندي بالمريلة المهترئة.
باغته وخز الضمير من حيث لا يعلم.. " أوضعني الله في موضعي هذا حتى أضع أنا للكبر مكانًا في قلبي؟" و لم يجد نفسه إلا واقفًا يلملم الملاعق والأشواك والصحون والأكواب والمناديل من الطاولات.. وقبل أن يمضي بمسيره نحو الموظف، نزع نظارته مُخلصًا نفسه من الانتباه لنظرات البوم.
وصل علي لأخيه الإنسان في الضفة الأخرى، مدَّ له الصحون المتسخة بفخرٍ شديد.. كأنه يعلن المحبة والسلام على البشريةِ جمعاء!.. انبسطت أسارير الموظف " مشكور! مشكور!" قال له.. و سحب الصحون من يد علي بطريقةٍ غريبة، كما لو أن يد علي ستلدغه، او أن الصحون نفسها ملوثةٌ بشيء غير بقايا الفطائر..
كان علي منتشيًا بالسكينة التي جلبها للعالم، فلم ينتبه لغرابة الموقف.
لم يكن قد أدار ظهره بعد حتى ناداه الآسيوي " صبر شوي صبر شوي!"
"ما هذا الذي راح يجلبه من الخلف، نوط التحضُّر؟ " ضحك علي في صدره، عاد الآسيوي بنظرة مرحةٍ وودودة، مدّ يده مقلوبةً لعلي.. وحين مد علي يده له، سقطت في راحة يده قطع نقود صغيرة تساوي الأربع مائة فلس.
" مشكور حبيبي، مشكور !" .
كتبت فجر المطيري

0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟