"المرء عدو ما يجهل"، عبارة بسيطة تحمل في ثناياها الانتكاسة البشرية التي ما إن تعزز حتى تغدوا طاعونا يتفشى بين الأمم و ينشر الظلام في شتى العقول لتصنع بذلك أتباعاً لأفكار لا يكون منشأها سوى أطماع للوصول لمآرب معينة. الإنسان بطبعه تابع ، سواء لدين لمذهب لطائفة أو لفكرة أو فلسفة معينه، يطورها ، يهيئها بهيئة تتلاءم مع البيئة الاجتماعية و الفكرية ، باختصار يأخذ هذه الأفكار ليعيد قيافتها على ما يتماشى مع الفرد ثم تبعاً لما يتلاءم مع العقل الجمعي و التي بدورها تصنع الحضارة و تميزها عن مثيلاتها من الحضارات.  لا تخلو كل أي فكرة من انتقادات و لكن ماذا إن كان مآل هذه الأفكار- الصحيحة-  هي القمع و الإقصاء للتأكد من عدم تناقلها ومنع تحرر الفكر البشري من مغاليق ذلك القمع المهيمن على العقول المفكرة.

في حدود القرن الثالث عندما قرر الامبراطور قسطنطين إضفاء شرعية على الديانة المسيحية من بعد الاضطهاد الديني الذي مورس على المسيحيين من قبل اليهود و الوثنيين. هذا التشريع أضاف قوة للمسيحية و تسمية قسطنطين بلقب "قديس" جعل من الأباطرة اللاحقين قديسين و في حالات رسل كما حدث مع قسطنطين ذاته. هذا الإضفاء السلطوي للدين أضاف له نوع من قوة سياسية بدأت حقا في مستهل القرن الخامس ميلادياً عندما منع القديس امريسيوس الامبراطور ثيودوسيوس من دخول الكنيسة حتى يقدم قرباناً ليغفر به عن ذنبه. بالرغم من أن الحكم الكنسي بدأ يظهر فعلياً من القرن الخامس ميلادياً إلا أن أوجه كان في القرن الحادي عشر على يد البابا غريغوري السابع و التي كانت فترة عرفت بالقرون الوسطى و التي تميزت في شكل السلطة أنها دينية و لا شيء يخرج عن رقابة الدكتاتور الكهنوتي الذي يحرم كل ما يخالف الكتاب المقدس بأي شكل من الأشكال. سبب الحكم الكهنوتي حالة من الخوف من كل ما هو جديد و بإمكانه أن "يغير" من عقائد المسيحية " الصحيحة" فيفسد على الناس إيمانهم و يخرجهم من الملة – التي وضعها رجال الدين- و كان من جملة من نقمت عليهم الكنيسة الإيطالي جاليليو جاليلي و جوردانو برونو ولوسيليو فانيني و غيرهم ممن قتلو بتهمة تكذيب الكتاب المقدس!! و في المقابل لدينا الكهنوت الإسلامي في وقت متأخر من تاريخ الحضارة الإسلامية لم تبتعد كثيراً عن مضمون الفكر الكهنوتي السابق ذكره.

هذه المقدمة تستعرض نموذج مختزل عن واقع التفكير الذي ينشأ عن إقصاء التوجه العقلي وإحلال التوجه الديني صرفاً بلا نظر في المعنى القابع وراء النص المقدس و الأخذ بظاهره في أفضل الحالات أو تفسيره بما يتماشى مع أيدلوجية معينة ذات أهداف و مصالح و مآرب تتحصل عليها عن طريق اللعب على وتر العاطفة الدينية عند السذج من الناس و العامة منهم.  و هذي الفكرة في جوهرها تتنافى ضمنياً مع طبيعة العقل البشري بما هو موجود و بما وجد به ، و يتنافى مع روح الأديان التي تدعو إلى التفكر و الانتفاع بكل ما استجد في سبيل الإعمار و التي هي من ضمن أهم مسؤوليات البشر على الأرض التي وُجدوا عليها. فالكتب السماوية على عظمتها و مكانتها في قلوب البشر إلا أنها لا تحتوي على تفاصيل علم الفيزياء التي لولاها لما أمكنني الآن أن أكتب هذي المقالة ، و لا تستطيع القراءة في آياتها تركيباً كيميائياً لأي دواء أو التركيب العكسي لأحد السموم أو وصفة لإحدى اللقاحات ... إلخ, هي أشبه بوقود للتفكير تبعث قبساً من جكمة لتضيء ما عتم علينا و ترشدنا بنهج رباني لما فيه حياتنا و تحمل لنا الإشارات التي تساعدنا و تهدينا و هذا مضمونه بين ظهرانينا ، أما إحكام العقل فعند الإنسان سبيله و لولا إعماله بما وجد له لما تحققت الغاية المرجوة و لما كان فيه تكريم لو أنه يعمل كالة فالتحليل و تمحيص و بحث و تدقيق وراء كل مسألة و طرح الأسئلة و الإجابة عليها. هذا هو مقتضى تحكيم العقل لننأى بأنفسنا عن كل مذموم و حتى لا يعود الكهنوت. 

كتب الفيصل الحارثي