يسعى ويلهث، كأن لياليه وأيامه في مضمار سباق، دافعه التنافس، هدفه العلو، طموحه يناطح السحاب،
من يراه يشعر وكأن العزة نصبت عرشها على قلبه، يأخذ السامعين بجميل أحاديثه وتنمق عباراته، يوحي إليك بهيبته وكأنه نزل من كوكب دري، يجري ويلهث خلف تحقيق أهدافه ومكانته وكأنه يلاحق سراب يحسبه من ظمأه ماءً،،،
إنها الشخصية المثالية التي رفضت بشريتها، وأنكرت ماجبلت عليه من جوانب إنسانية طبيعية، اختارت من العلو صومعة تعيش فيها كامل غرابتها وتعقيداتها ...
إنهم يسعون لأن يعيشوا عالماً غير عوالمنا ..
ويتبنون فكراً غير صالحاً للنفس البشرية السوية ..
فالخطأ عندهم كارثة إنسانية يجب أن تشن حرباً ضروساً لكي يدرك المخطأ كم هو مجرماً حين مارس بشريته فأخطأ ...
بل ويصنعون مكانتهم على جسور القدح في انتقاص الآخرين وتتبع مثالبهم ..
ليشبعوا (الأنا)، ويضعوا بصمتهم فيمن حولهم وكأنهم خارقين عن عالم الإنسان ...
إنهم يثيرون الشفقة من حيث لايعلمون، فما خلف تلك القوة إلا ضعفاً مهشماً، ولا خلف السلطة إلا نقصاً وجهلاً ..
إن المثالية مرض نفسي تربوي اجتماعي أثره متعدي وليس على الشخص نفسه ...
فالتربية القاسية التي تعطي للسوط مكانة تخلف جيلاً يعيش انفصامية أخلاقية كارثية ...
فالعقل ينمو ويزدهر بالإحترام والتقدير، والنفس تستقيم بالحب والتقبل والتغاضي، والنجاح يتوالى بالإستقرار النفسي والسلام الداخلي والتحفيز ،
إن ماتحدثه تربية المثالية وتقويم الخطأ بخطأ أكبر منه، جريمة شنعاء في حق كل من هم تحت سلطتنا ...
لأن ذلك مخالفاً للقوانين الكونية والشرعية التي خلق الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله ...
فكوننا خلقنا بالنقص والعيوب والذنوب هذا حكمة من حكم الخالق الحكيم سبحانه وتعالى (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالاتعلمون) ...
إننا حين نتكلم عن بشريتنا ونقصنا وطبيعتنا التي طبعنا عليها، ليس ذلك بأن نرضى بالنقص والعيوب ولا نقدم تغييراً فيها للأحسن
...
ليس ذلك مقصدنا ولكن شتان بين من يفهم نفسه ويفهم عن الله مراده، ويسعى لأن يزكي نفسه ويقومها إذا مالت، وبين من يرفض فكرة النقص والضعف، فتجده يقسو على نفسه وعلى من هم تحت أمره ونهيه، ويعطي بلسانه وبنانه وفعله لمن خالف أمره ونهيه ...
إننا حين نتقبل فطرتنا ونحتوي ضعفنا بكل حكمة واتزان، فإننا حينها سنشعر بالعدل والإحسان، ونصبح أقوياء على تقوى من الله وبرهان، وبناء على ذلك يصبح هناك جيلاً متزناً نفسياً وعقلياً وأخلاقياً ...
فالتفكير الواقعي المنطقي يخلصنا من هوس المثاليات وأضرارها الوخيمة ...
كن على طبيعتك تحرر نفسك من قيودك الوهمية، وتتسع دائرة فهمك للأمور، ومن ثم ستسعد وترتاح .
كتبت شروق الفرحان
0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟