طموحاتنا ورغباتنا، مخاوفنا وجراحنا، أفكارنا ومشاعرنا، واقعنا ومواقفنا، إقدامنا وإحجامنا، كل هذه وأكثر مكنونات بدواخلنا تنقش حبرها وتخيط مغزلها في الخفاء..
لكنها يوماً بعد يوم أصبحت تشكل لنا دماغاً بشرياً وقلباً حيوياً يستقبل ويرسل، يتفاعل ويحلل، يفكر ويقرر، ليشكل لنا نهج حياة 
إن حياتنا وواقعنا الذي نعيش لحظاته وسكناته ماهو إلا نتاج حصيلة مازرعناه بالأمس، من حيث نشعر أو من حيث لا نشعر، نسجنا خيوط خطواتنا بدواخلنا، منا من هو واعي بما ينسجه ويخيطه ويلبسه، ومنا من يجهل ما ينسجه ويخيطه ويندب حظه الأغبر الذي أوصله لطرق مسدودة ومتاهات لا يعلم سبيلاً للخلاص منها...
(بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)..
إن زمام سير الأفكار والتوجهات، والعزيمة على اتخاذ قرارات والإلتزام بقناعات، ماهو إلا بمحض إرادة الإنسان وتحت سيطرته، وهذا من عدل الحكيم سبحانه بأن جعلنا أحرار، وهيء لنا الأسباب الموصلة إلى درب السعادة ودرب الشقاء (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ...

حين يصبح لدينا تصوراً كاملاً عن حقيقة حريتنا في اختيار سبل الحياة التي نرغبها والتي تتناسب مع قناعاتنا وما تطمئن له قلوبنا وتسكن له، فإننا بذلك نتحرر من القمع الذي نمارسه على أنفسنا بعقلنا اللاواعي، وتصبح المرجعية لدينا في الأمور راسخة الأصل مثمرة الفرع.
والعكس تماماً حين نجهل ما في عالمنا الداخلي من قناعات بالية، وملفات تائهة، ومشاعر متلاطمة، وأهداف مشتتة مبعثرة، وطموحات مشوشة، قد يقودنا إلى واقع مأساوي مؤلم.
لذا من الحكمة الوعي بهذا الجانب وإعطاءه الأهمية القصوى في حسن التفهم ومسياسة جوانب الخلل، واستثمار جوانب القوة، والتبصر بكل ما يخطر من خطرات وسكنات، ومعرفة سبل الزلل والمهلكات في النفس والعقل، وكيفية تفاديها، حينها يصبح الإنسان يسير في طريق واضح المعالم، شريف الغايات والمقامات.

كتبت شروق الفرحان