ضائعٌ أنا في غابة الوجوه. أشعر بي أتمشى محاطًا بالأشجار المتشابهة، لا أفرق إحداها عن الأخرى.
أرتشف كوب القهوة أمامي محدقًا خارج المقهى، منغمرة الأرض بحُبيبات المطر، التي ترتطم بمظلات المارة، عازفةً سيمفونية تتلذذ بها الآذان. الغيوم المتراكمة تستر الشمس بأشعتها، فتخيم علينا العتمة الخافتة، محملة بالأضواء الكلاسيكية المثيرة لعاطفة جياشة.
يسير البشر بمظلات ملونة، تطغى على ملامحهم، فيبدون كالأزهار المتفتحة المحتضنة لقطرات المطر.
فاتنة أجواءها كحسناء تتبختر بمشيتها. تنسيني واقعي المر كقهوتي هذه.
شعور الحرية، وبكونك فردًا بينهم لا نقطه مهمشة، قد خطت بزلة من الكاتب. محاطة بالبياض الشاسع.
تلجأ البشر لعرينها مختبئة من قطرات ماءٍ مسالمة لا تجرح، يجهلون أن من يتنافرون منه لا يضر، بعكس ما ينجذبون له من بشرٍ بينهم، من بشر مختبئين خلف الأجهزة. تغريني لحظاتي هذه برؤيتهم يفرون، فيعم الهدوء من حولي.
تسللت آخر قطرات قهوتي إلى فاهي؛ فيتعجل النادل بملء كوبِ، فتدغدغ رائحته أنفي قبل تلامسها بالكوبِ الفارغ. أيا ليت داخلي يمتلئ فأدغدغ بالسعادة كحال الكوبِ هذا. أشحت ببصري للورقة أمامي، المحملة ببقايا رصاصٍ، خطه قلمي لتلك المظلات المتفتحة العابرة بعجل.
تستهويني المناظر الطبيعية الخالية من وجوه البشر. فإذا بي معلقٌ لها على جدراني، فأسافر في يومي بينهم، أكره الطائرات، وأبغض ازدحامها. أجبرُ على ملازمة البشر، فأقع بين دوامة الوجوه.
تستدرجني ذاكرتي لتلك الطفلة الملبسة رداءً بلون السماء، صافٍ كالماء لم يتبقع بآيسكريمها. يا للعجب لطفلة أنيقة كهذه لم تُوسخ ذاتها كحال باقي الأطفال ممن تمسح له والدته ملابسه! ومن تغسل له يداه!
بدت بالغة برداء طفلة، أطلت نظري، فإذا بها تستقيم متجهة نحوي، مادةً يدها لي؛ لتنطق مجاهدة بإخراج حروفها صحيحة.
خذه، فقد أكلت ما يكفي.
عجزت خلايا عقلي التالفة من تخيل ملامحها، فتعجز عضلاتي عن رسم بسمة باهتة، فظل وجهي عابسًا مظهرًا ما يستوطن داخلي. أجبتها بتعجب من إعطائه لي، فلست أخبَرُ الأطفال يستأثرون عن حلواهم. فتجيبني بذات الصوت
رأيتك تنظر لي، والأطفال الآخرين ممن يتناولون الآيسكريم، فظننتك تشتهيه، ولا تملك في جعبتك المال الكافي،
تعجبت لرد طفلة لا تتجاوز هيئتها عمر السادسة. عضلاتِ المتحجرة قد ارتخت لترتسم شفاتي ضاحكة محملة بقهقهاتي الغليظة. على رغم بساطة الموقف، لكنه خَلَف شعور السكينة داخلي، فأصبحت متيمًا بالأطفال. يخدع عقلي ذاته، فيرسم ضحكة عابرة على وجوههم المستديرة.
قطع خلوتي ذاك النادل معلنًا لي حلول موعد إغلاقهم، فهممتُ بجمع كومة الأوراق أمامي. خرجت أرتحل بين قطرات المطر المهاجمة لي، تقسم بجعلي مُبَلَّلًا؛ لتفرض عليَّ قوتِها، وها أنا أتمتع بلكماتها على وجهي، وأتنفس عبير رائحتها. تحملني قدماي بين الزقاق حيث لا أواجه البشر، ولا أمضي بينهم. تريحني الأماكن الضيقة المفتوحة، تجعلني أشعر بضخامة حجمي. فيعلو صدري كديكٍ يصيحُ معلنًا ولوج الفجر.
هذه الأماكن المخفية عن العالم تحمل بعض التفاصيل الصغيرة، إن تأملتها ملكت العالم. كهذه الزهرة المخترقة الصخور، فتنمو معلنة قوتها.
رحت أحتمي قليلًا خلف مظلتي؛ لأظهر قصاصة من الورق أنحت فيها خلابة منظر الزهرة أمامي. أحببت عكس ما أراه بيداي، فضلًا عن تصويره بجهازٍ يحكم تأملي بامتلاء وفراغ معدته.
همت بي طفلة بشعرٍ منسدل، يكسوها خرقة بالية ممزقة، شعرت بها محاولة اختلاس ما خطه قلمي.
فإذا بي أمد بتلك الورقة لها.
واو أنت مدهش‼
صرعني صوتها العالي من الإمكان، كم مَرَّ علي ردة الفعل هذه! قد اعتدت على حديث الشاشات، كم حفزت ذاكرتي المعطوبة لتعيد لي صورة والدتي وَاسْتِجَابَتهَا لرسوماتي الطفولية.
يمكنك الاحتفاظ بها
لم أكد أكمل حديثي، وإذا بها تلتف حول ذاتها وتعلو ضِحْكَاتهَا الأرجاء، لتتسلل خلفها طفلة أخرى، وتمسك رداءها، لتنطق بنبرة خافته خجولة:
أنا أيضًا أريد واحدة.
فإذا بي أصبح محاطًا بالأطفال كلٌ على حدة، يطلبني لأرسم شيئًا ما. لأغوص بينهم، أتلذذ بِضِحْكَاتِهِمْ المغمورة بالفرح دون خفايا البالغين. قطة، فراشة، شجرة، سفينة، شاحنة وسيارة والعديد غيرها. فإذا بأحدهم يقتلني بطلبه، ثقل لساني، وخارت يداي، فعجزت عن إجابته. ليغوص عقلي في متاهاته متأملًا تلك الوجوه المتكدسة أمامي، فيهلع قلبي، وتتسابق نبضاته. كونت اللوحة المخيفة البشعة التي لطالما رأيتها بمضجعي.
يخالجني الشعور بموجب الرفض بشدة، لكن بحماقة قراراتي، وثقتي العمياء بهذه الأعين التالفة، امتنعت عن رفضه، وها أنا أخط خطوط وجهه على ورقتي فأرسمه.لم أستشعر ببشاعة قراري إلا بعدما تخلل صوت بكائه أذناي. وإذا به يلقى الورقة أرضًا، ويفر مجهشًا بالبكاء، فيلحقه الآخرون. عدا تلك الطفلة
لِمَ رسمته هكذا دون وجهٍ كالأشباح؟
عييَ لساني النطق، وطأطأتُ رأسي خجلًا، ندمًا من فهلوة قراري. وإذا بها تلحق الآخرين. أحدق في تلك الورقة المبتلة على الأرض، فإذا بي ألعن ذاتي.
فتتسع تلك الفجوة وسط أحشائي.
*****
أليست عشر سنين كفيلة بجعلي أفقد ذكرى الوجوه؟! آه لو تعلمين يا أمي لكم أتمزق لفشل عقلي بتخيلك!
أحدق بصورتك، ورغبة جامحة تعتريني باقتلاع مقلتيَّ، ورميهما خارجًا.
حتى بعد تلك السنين، لا زال وقع الأمر يثقل كاهلي. قد اغتربت في موطني، استوحشتني الغربة، رميت في عالم الأشباح، فأصبحوا يطاردوني، والأدهى من ذاك رؤيتي لهذا الشبح في المرآة كل يوم.
نسيتك ونسيتُ ذاتي، وها أنا أرسم اِسْتِفْهَامًا على وجهي.
أتساءل: كيف يقضي أشباهي حياتهم؟ أقادرون على التجانس بين ذويهم؟ أأسهموا في زيادة عدد سكان دولتهم؟ أم هم مثلي بعزلة لا متناهية. يترقبون شبح الموت؟
قاطع جرس المنزل مصارعتي لذاتي، وها أنا أخسر للمرة المليون.
أهو اليوم؟
يأتيني مساعدي، أو بالأصح الواجهة الإعلانية لي، والمتحدث بإسمي، أشرع بابي فيدخل مستأذنًا كالعادة. أشير بيدي اتجاه دار اللوحات ليتقدم نحوها. الروتين الاعتيادي يتخير بينهم قرابة الساعتين. وبينما هو يهم بالانصراف، فإذا به يشير على تلك الورقة المبتلة
أبالإمكان رسمها بحجمٍ أكبر؟
رُبط لساني، فإذا به يكمل
ألن يكون جذابًا وجود أمثال لطريقة رؤيتك يتأملها البشر؟ سنلقى العديد من الأرباح.
لا استجابة، تعجر عقلي فَبِتّ لا أعلم، أأتعجب من طلبه، أم تفكيره الاقتصادي، لتبيع كل ما يثمر مالًا.
أخبرني بالتفكير بعمق بحديثه قبل إجابته، وَكُلّ دراية بأن مديرِ أعمالٍ مثله لن يقبل رفضًا كإجابة
وها أنا أرى ذاتي أمام تلك اللوحة الفارغة، وجواري عدة الألوان. فأخط أشباحي عليها.
جاهِلٌ أنا بإعجابه بلوحة كهذه، وكأنه يؤكد على اختلافي وتخلفي عنهم.
فطنتُ منذ مدة بإصابة الممثل الشهير براد بيت بمرضي، وها أنا أجدني أرتحل بين أخباره؛ علَّني أسترقُ منه علاجًا لي. فإذا به كجبلٍ لا يهتز، لم يبدُ عليه المرض. يا للعجب أشباحه رهيفة لا تضر‼
كيف بالبشاشةِ لا تفارق محياه؟ كيف تمكن من التقليب بين تعابيره في مواجهة تلك الأشباح.
وها أنا أجدني أُسهِبُ بأفكاري، مما تُخلف رواسب عالقة في حشايا قلبي. قاطعني رنين الهاتف وإذا بالواجهة الإعلامية تخبرني بأن تلك اللوحة التالفة قد نالت شهرة ضخمة، وبإقامة حفلة على شرفِها.
لِمَ أنا هنا؟
حنِقتُ على مهووس المال ذاك، أوجب إحضاري قصرًا إلى حفلة الأشباح. تراكمهم حولي أفقدني الوعي، أجدني واقفًا على المسرح أصافح شخصًا أجهل ماهيته.
لتعلن الصحف عن ولادة أحد الفنانين بجوار لوحته منمقًا كلامهم باستعراضات عديمة الجدوى. مما ضاعف فجوةِ فتلاشيت عن الوجود. باطني أصبح حطامًا يصعبُ ترميمه.
(بينما جوفِ مفتت، تحتفظ هيئته بِهَيْبَتِهَا المزورة)
كتبت زكية الشعلة

0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟