أُحِبُّ الروايات إلّا أنني قليل القراءة فيها. اشتريت مرةً رواية 《الجريمة والعقاب》 لدوستويفسكي بترجمة سامي الدروبي، ولكنني تكاسلتُ عن البدء في قراءتها لطُولها ولكثرة توصيات القرّاء بطقوسهم الغريبة حولها. وهجرتُها على رفّ مكتبتي سنةً كاملة حتى اغبرّت.
مثل هذا الموقف ربما يتكرر على الإنسان في مجالات مختلفة. يحب شيئا معيّنًا، ويملك الرغبة فيه والقدرة عليه، ولكنه في الواقع لا ينجز ولا يتقدم. فيجد نفسه بعد محاولات عدّة مضطرًا للاقتناع -أو الأسوأ من ذلك أن يقنعه غيرُه- بأنه أصلًا لا يحب هذا الشيء، أو بأنه لا يرغب فيه أو لا يقدِر عليه.

عندما تأخرتُ في البدء بقراءة الرواية حكمتُ على نفسي بأنني لا أميل إلى قراءة الروايات، وأنني لا أملك النفَس الطويل لإتمام رواية كهذه. كان ذلك أسهل وأسرع حكم للأسف. على الرغم من أنني عندما كنت أنجح في قراءة رواية جيدة، كنت أتلذذ بها وأطرب لكلماتها وأقتات على تفاصيلها، وبعد فراغي من قراءتها أعيش أيامًا وليالي مشدودًا إلى شخصياتها مفتونًا بسحرها مستذكرًا أحداثها ومَشاهدها.
هذا الشكّ والغموض حول ما تحبه وترغب فيه وتقدِر عليه، شكٌّ مُؤلم وغُموض مؤرّق. ويزداد الأمر سوءاً عندما تجد إنجازك فيه محدودًا أو ضعيفًا.

وجدتُّني قبل أيام وبدون مقدمات، أحمل المجلد الأول من رواية الجريمة والعقاب وأفتح باب المقهى وأدفع ثمن مشروبي المفضل، وأضع على أذني سماعات تعزل الضوضاء، وأمكث تسعين دقيقة متصلة بلا أي مقاطعة وأنا أقرأ. وهكذا يومًا بعد يوم، فرَغتُ من المجلد الأول فأتبعتُه بالمجلد الثاني وختمت الرواية في بضعة أيام! ثم مررت على مكتبة قريبة واشتريت كتابًا آخر لنفس الكاتب هو 《ذكريات من منزل الأموات》، ومجددًا فتحتُ باب المقهى، وبذات الأسلوب الممتع أتممتُ الكتاب الجديد في مدة قصيرة.
وفي اليوم التالي وجدتُّني في مواجهة حاسمة مع حُكمي السابق، حيث حكمتُ على نفسي بأنني لا أميل إلى قراءة الروايات وبأنني لا أملك النفَس الطويل لإتمام رواية كهذه! بماذا ستردّ الآن على هذا الإنجاز الجيّد في بضعة أيام مع روايتين تلذّذتُ بكل سطر فيهما واستمتعتُ بكل ورقة من أوراقهما؟

كم يظلمُ الإنسان نفسه عندما يكفّ عن المحاولة عند أول حاجز. وكم يظلمُ الإنسان نفسه عندما يكرر المحاولة بنفس الطريقة في كل مرة، ولا يسعى لتعلّم طريقة جديدة للمحاولة. وكم نظلمُ أنفسنا عندما ننصت إلى كلمة خبيثة ألقى بها أحدُهم ليزهّدنا في رحلتنا ويُشكّكنا في جدواها.
وحتى تتضح الصورة التي أودّ إبرازها في هذه المقالة: قد تكون عالقًا في مرحلةٍ ما، ورغم امتلاكك الرغبة والقدرة، يغمرك الشك بنفسك؛ فتتوقف عن المضيّ في طريقك. مع أنّ الإشكالية ليست في حبك ولا في رغبتك ولا في قدرتك، بل قد تكون في عائق آخر لم تهتم بشأنه.

فمثلًا: شراؤك لدرّاجة رديئة، مع عدم توفر احتياطات السلامة، وسَيرُك دائما في طرقات مملّة، وعدم تجهيز سيارتك بحاملٍ للدرّاجة يُسهِّل عليك حَملَها والتنقّل بها بين أماكن جميلة ومتعددة، كل هذا لا يعني بالضرورة أنك جرّبت ركوب الدراجات فلم تتأقلم مع هذه الهواية، وأنك لم تستطع الالتزام بممارسة هذه الرياضة، ولهذا بِعتَ اليوم درّاجتك أو أهمَلتها.
ومثال آخر يوضح الصورة: اختيارُك لكتاب رديء، أو كتاب لا يناسب مرحلتك الحالية ومزاجك خلالها، أو كتاب أفسدَتْهُ الترجمة أو الطباعة، كل هذا لا يعني بالضرورة أنك جرّبت القراءة فلم تُفلح، ولهذا تمتنع اليوم عن قراءة الكتب ولا تُلقي لها بالًا.
عندما ناقشت مع بعض أصدقائي هذه الأمثلة، اقتنعنا بأن العائق عن الاستمرار في شيء ما، ليس بالضرورة درجة حُبّك له أو رغبتك فيه أو قدرتك عليه. وحاولت أن ألخّص هنا عشر إشكاليات قد تكون هي العائق الحقيقي/الخفيّ عن مواصلة التقدم والإنجاز:

1- نقص المعرفة بالأمر الذي تريد أن تتقدم فيه، أو جهلُك ببعض المفاهيم الأساسية، أو فهمُك المجتزأ أو القاصر لها.
2- ضعف جودة الأدوات التي قررت استخدامها في طريق رحلتك، أو عدم اكتمالها، أو عدم مُلاءمتها لمهمّتك.
3- تقليدُك لأحدهم في كل التفاصيل وليس في بعضها. وعدم ابتكار أسلوبك الخاص الذي يناسب ذوقك ويلائم روحك ويتفق مع نمط معيشتك ويتّسق مع طبيعة جدولك اليومي. تريد أن تنجو من كل هذا: قلّد بذكاء ثم تفرّد بهدوء، وصمّم الطريقة التي تحب أن تنتهجها في رحلتك، ومع الأيام طوّر من طريقتك مستنيرًا بخبرتك وخبرة غيرك.
4- اختيار مكان أو توقيت غير مناسب لك. فلكل إنسان أوقات وأماكن مميزة تغنّي فيها الروح ويرتاح فيها البال ويحلّق فيها الإلهام فوق رأسه. صحيح أن هذا ليس عذرا عند التقصير في أداء واجباتك المنوطة بك، لكنه عامل مؤثر بدرجة كبيرة، وخصوصًا في مجال الاهتمامات والهوايات.
5- مقارنة ذائقتك بذائقة غيرك. هذه المقارنة تعطّلك وتقيّدك. لأن كل إنسان له ذوقه الخاص في التجربة. فلا تحرم نفسك الحرية في التذوق بطريقتك وطقوسك الخاصة.
6- الاستعجال واختصار المراحل. فثمّة مجالات لا يمكن تجاوز التسلسل المرحلي فيها، ولن تتمكّن من إجادتها في زمن قصير، وإذا رأيتَ مُنجَزًا عظيمًا لغيرك، فحدِّثْ نفسَك أنّ الزمن كفيلٌ بكل هذا.
7- محيطُك الدائم وبِيئتُك التي تتنفّس هواء أفكارها كل يوم. هذه قد تكون مِن أخفى العوائق عنك. راقب محيطك بحذر وكن واعيًا بتأثيره عليك، ثم افعل شيئًا ما حيال ذلك ولا تكتفي بالمراقبة.
8- إيمانك بِضِيقِ الدنيا وندرة فرص النجاح فيها ومحدودية المجالات التي يمكن أن تتحرك وتنجز فيها. هذا عائق تكشّف لي أخيرًا فتغيّرَتْ نظرتي للحياة وآمنت بأن الدنيا واسعة. واسعةٌ إلى حدٍّ لا تتخيله، فلا تحبس نفسك داخل إطار قديم متهالك، بل انظر حولك وابحث وفتّش، حتمًا سترى مجالات وفرص وتخصصات دقيقة ومتعددة تُخلق وتُبتكر في كل يوم وتُستثمر بجد وذكاء.
9- مقارنة مستواك العادي المبتدئ، بمستوى غيرك الاستثنائي المحترف. أنت لم تبذل ربع مجهوده حقيقةً، وحتى لو فعلتَ فأنت لستَ هو!
 10- أذُنُك المنصتة لكل من لا يُحسن في حياته شيئا إلا انتقادَك والازدراءَ من عملِك والتهوينَ من إنجازك.
إنّ مفاهيمك وقناعاتك عن الحياة والنجاح والسعادة، تساعدك على تخطّي الكثير من العوائق السابقة. وهي مفاهيم وقناعات تستحق منك بذل الجهد والوقت والمال في سبيل تجويدها وتحسينها باستمرار، وذلك عن طريق الملاحظة والقراءة والسفر والنقاشات وغيرها من طرق التعلم.

أخيرًا، الحديث في هذه المقالة ليس دعوةً للاستمرار في المحاولة للأبد وعدم التوقف وتغيير المسار إن تطلّب الأمر. بل إنّ الإنسان عليه أن يحدد بهدوء عميق وبمعرفة واثقة، متى وأين هي النقطة التي ينبغي عليه التوقّف عندها وطيّ الصفحة والانتقال إلى صفحة أخرى جديدة في حياته.

كتب عبدالعزيز تركستاني