أعرجُ لذلك المقعد القريب، لألتقط به أنفاسي المقطوعه، أعياني البحث عن ضالتي. كم لبثت وأنا أنبش عنها؟ 
تسلل صوت الأطفال مسامعي فإذا أجدني أرتحل معها لطفولتي المعطوبة، أملائمة هي لتسمى طفوله؟! 
لا أعتقد 
فلا هي مليئة بسعادة الأطفال وعطف الكبار، شُحَّ فيها كل شيء فما عدتُ أقوى على ذكراها. 
تتناثر صواريخُها لتشعل ناراً قد تأججت فينا منذ زمن. قصفتنا القنابل والمدرعات، هدُمت علينا منازلنا، أصبحنا وقوداً للهيب نارهم وحقدهم فألتُهمونا. كانت طفولتي حمراء يتداخلها الإصفرار كغروب شمسٍ لم أكن أفقه في طفولتي. 
أيجتمع جمال غروب شمس حارقة بنارٍ أعدمت طفولتي؟ أتقارن خلابة منظرٍ بخرابِ آخر؟ أيتآلف سكينه الغروب بضجيج المدافع وبكاء الأطفال؟ 
أأبكي مما مضى أم رواسبه؟
  لازالت موسيقى الحروب تعزف بأُذنِ. فمقتا جُلّ ما دونها.  راح ذكرى والداي يجول بي لذاك اليوم المشؤوم، حينما أقبلت القنابل لنا تبتغي الأحضان شوقاً فيشرقُ لهيبها بنا. تهدم سقفنا، تبرعت الحياة بقبورٍ مجانية لنا و جنازة يتيمه. دفناَ أحياءً يسري دمٌ في عروقنا. يستنكف والدي الإمتثال لقدرنا هذا. أحاطنا أنا وأمي بيده، ليواجه الطوب بظهره. فخرجنا سالمين واحتفى هو بموته. 
برغم صغر سنِّ أدركت أن أمي تسهب بقوتها. وتدرك هي إدراكي مكابرتها أمامي. فلا هي تقوى على إدعائها بهزيمتها لمن يتجرء علينا، ولا أقوى أنا على كسرها وحرمانِها شعور الفخر. لا تعي أمي أن فخري بها لا يستلزم سبباً، يكفي أنها أمي. 
استشعرت بجند من العدو يتربص أمي، يقبل ناقماً ليتبع محدثا أمي بصفاقة. تحجب أذني لئلا يتخلل في مسامع طفلة في السابعة بذيء الكلام.  تحجرني أمي في داري لحين رحيله، تدثرني خرقه بالية ممزقة لا تقي من شيء فكيف بها تحجب ونات أمي الخافتة. تدلف أمي لدار بعد رحيله ملونه بالكدمات الخضراء والحمراء والبنفسج. تجاهد ستر آلامها وارتعاش يداها.  
_ أمي، أأنت بخير؟! 
تربت على رأسي بشبه بسمة وتردد أنا بخير صغيرتي لا تخافي. أنا بخير. 
_ عندما أكبر أنا سأحميك، لن أسمح له بمسك 
 
لم أدرك ذاك اليوم صمت أمي واستحاله أحلامي. لم تشئ هي كسر بقايا طفوله داخلي. فرحت أسهب بحديثي واثقة بغرور بقوةِ التي لا تتجاوز قيد النملة. 
الحياة كانت قاسية بضراوة، تبغضُ فرحتنا، تقسم إبكائنا أضعاف لحظاتٍ ارتسمت بسمة عابرة على محيانا. وجود أمي هون علي فاجعة موت أبي وهون ذاك العطش والجوع الذي نهش أرواحنا اليتيمة المبتليه بداء لا دواء له عدا موتنا. 
تستأثرني أمي على ذاتها، حتى بروحها المحطمة من جراح الأعداء. 
اغتالني ذاك الجندي المكتنف بالرصاص والأسلحة، يطلق على هذا وذاك تعلوه ابتسامة ساخطة، مستهزئة مقاومتنا لحياة تبرءة منا. 
يقترب موجها سلاحه لنا وإذا برصاصهِ يخترق هامة أمي. انبسطت قبضتها المحيطة بي لتغرق في بحر دمائها. 
" آسفة صغيرتي" 
راح صداها يغزوا أُذني، فإذا بي أقع عليها مستنجدة إياها بعدم تركي. تلفعني سياط العدو لأبتعد، فيأبي جسدي ترك جثمانها علناً. فراح يطلق شتائمه، سوطه نحوي، لم يرحم صغر سني ولا هول مصيبتي. 
قبضني زميلة من ياقتي فأبعدني عن روحي، فإذا يضرمان النار بجثمانها. 
_ لااااااااااا، أميييييييي! 
ألا يكفيهما حرقة شمسٍ بأجسادنا؟ لهيب نار قنابلهم وصواريخهم؟ أبعد حرقنا أحياءاً يبتغون حرق جثثنا؟! ألا تنعم أجسادنا احياءاً وأموات؟ 
تمرد جسدي الهزيل على ضخامته لأهرع لأمي. عضضته، ركلته ،ضربته بقبضةِ الضئيلة، صرخت به دون جدوى. 
أهطل بركلاته على جسدي الهش. فما عدت أقوى على الحراك. مقتُ ضعفي وقلة حيلتي فرحت أبكي ألماً، حزناً وقهراً على حالي. 
أتخاصم مع القدر، أرفض لقاء حتفي على أيديهم، تشبثت بذاك الحبل المبتور من الأمل منكره بترانه. 
"هل استجاب لرجائي السقيم ؟"
سقطت قنبلتهم قريبه منا فإذا بأحد المنازل يقع على ذاك المجوار جثمان أمي، فيخمد الطوب نارهم ويفتت أمي. فر الآخر هارباً خشية لقاء حتفه. 
فأهرع لبقايا حطام أمي الظاهر، لم أكد أمسك بيدها المفحمة لتبدأ جولتهم الثانية بالقنابل. 
دفعني انفجارها بعيداً، ألا تشفق فأهلك مجاوره امي؟! . 
…………. 
استعدت وعيي على سرير ناعم، هدوء لا يتخلله صخب الحروب. 
أأكذب عقلي وأقول أنها أضغاث أحلام؟ يا ليتها كانت. 
أُخبرت أني بملجئ لحماية السكان، وأنهم رأوني ممددة على الأرض تنزف يدي بغزاره. يربت الطبيب على رأسي مهوناً على فقدان يدي اليسرى. 
أحدق بالمرآة، عصابه على رأس، يدٌ مبتوره وقدمٌ مجبرة. لم أشعر بالالم! ، أفقدان أمي أفقدني الإحساس؟ أم كان عظيم فقدانها أخمد الشعور داخلي، ليصبح في سبات. 
……. 
خمسة عشر سنه، اسمٌ جديد، هوية جديدة، منزلٌ جديد، وبلدٌ جديد. وكأن الماضي لم يكن. سكينه تنكر الصخب داخلي، الموسيقى التي ما زالت تعزف بأُذني. آثار حربٍ وسمت على جسدي. 
أغبط والداي برحيلهم. تداخل كل شي ببعض. الحياة والموت فجسدي يعيش وفؤادي فاني، يحطيني الأمان وداخلي مزعزع، تقدمت الحياة بدوني، لا تزال روحي معلقه عند ذاك الجسد المفحم بين الدماء. 
_ مالذي تفعلينه؟ أتتأملين الأطفال؟ 
 قطع خلوتي صوت الطبيب ليجلس على مقربة مني. 
 _ لا فقد كنت أبحث، بعد أن تعبت جلست هنا. 
_ عما تبحثين قد أعلم أين تجديه؟ 
_ حقاً، قد فقدت ذراعي اليسرى، بحثت كثيراً ولم أجدها. لا أعلم لما تختبئ مني. أأنا مخيفه؟ 
سألته بعبوس وانا أقلب نظري بين ذراعي ووجهه 
أجابني مربتاً على رأسي 
_ لا لستي مخيفه، لكنها تبتغي المزاح معك لتهتمي بها هي فقط. 
أنتصب الطبيب ماداً بيده نحوي ناطقاً 
_ أنبحث عنها؟
أمسكت بيده وثغري ضاحك لأومئ برأسي. فرحت أردد بعالي الصوت 
_ أيتها الذراع أين أنت؟  أين أنت؟ 
النهاية. 

كتبت زكيه الشعله