فيَ ممَرات الحياة الطويلة، في شوارعها المديدة، في الذهول والسكون، والصخب والجنون، والبيت والحقول، الكل يركضُ باحثاً عن شيئاً ما، أحدهم يبحث عن صديق، وآخر يتخبط باحثاً عن السعادة، وتلك المرأة تبحث عن الحُب الضائع في المدينة، وشيخاً يبحث عن رزقاً نافع، ورجلاً يبحث عن عائلة، وأماً تبحث عن طفلها الضائع، وأباً يبحث عن دُمية بنفس أوصاف طفلته المُدللة، وشاباً يبحث عن شغفه الحائر، وطيراً يبحث عن طعاماً لصغاره، وصياداً يبحث عن سمكة لعشائه، وقلباً يبحث عن الطُمأنينة، وعقلاً يبحث عن راحة باله، حتى الجسد يبحث في كُل يومٍ عن غذاءه، الكل على عجلة من أمره، يسابق الحياة قبل أن تسبقه،كموجاً يحاول مسابقة السفينة، فيرميها على الشاطئ لكي تتوقف . .
أما أنا !
لم أبحث عن صديقٍ حميم، ولا عن شغفاً مديد، ولا عن بيتاً جديد، ولا عن حباً رقيق، ولا عن رزقاً عتيق ..
بحثت عني، بحثت عن روحي، التي سقطت وأنا أتخبط معهم في البحث، وأركض معهم في الشغف، وعند التوقف للنظر، في ما وراء الممر، لأرى ماذا سقط عند الخطأ والقفز، فإذا بي أراني هُناك، مُمددة، فسقطت مني كُلي، فتوقفت، وتركت كُل البحث لهم، وأستيقظت في الصباح كُل يوم باحثة عني، أعلم أني سقطتفي مكاناً ما، لكن أين؟ كُنت قد وجدتني بعد عناءٍ طويل لكني في لحظة فقدتني، دون أن أعرف متى وأين وكيف !
بحثت في كُل الأشياء التي كانت تُحبها روحي وترقص في وجودها، فنظرت في أكواب قهوتها لعلي أجدني مع السواد! وأطلت النظر في رفوفها لعلي أجدني في كتاب ! في نصٍ أو سطرٍ أو ربما كلمة في نهاية رواية مُلهمة، أو لعلي ألمحني في الصفحات والكُتب، لعلي أجدني في عروق ذاك الجذع الذي كانت تلفتُني أوراقه وأوثقه دائماً بلا ضجر ! لعلي في الأكواب القديمة المليئة ببصمات يدي والتي لم تمل روحي في شرءها بإستمرار أُدركني، لعلي أجدني هُناك في الأماكن التي أحببتها وتأملت الغرباء فيها بلا تعباً وكلل! ربماً في الغيم أرى شيئاً يشبهني وأعود لأتذكرني! ربما في تلك الشجرة التي أحببت صمودها أعود لي! ربما في ذاك الطائر التي أعرف متى يبدأ التحليق أتذكر بعضاً مني ! لعلي في هدوء الفجر أعرفني أو صديقاً قديم يُخبرني عني ، عن روحي الضائعة مني، عن تلك التي تحدت الحياة وحدها، وتخلت عن كُل ما فيها، لتعثر على نفسها، لعلي أجدني في الطيور المُحلقة كقوس المطر، لعلي بالقلم أعرفني أو بسؤالاً وفضولاً ألمحني، لعلي هُنا وسط الطبيعة أراني، وسط التُربة المُبللة بالمطر أعرفني، تخبطت هُنا وهناك باحثة عني، كاد اليأس يتمكن مني، وكُدت أسقط في حفرة الظلام فلا يُسمع صوتي، لعلي بالألقاب التي وصوفوني بها أتذكر بعضاً مني، من هي القوية التي يقولونها؟ أو بالغريبة ينعتونها! من هي تلك التي جردوها من إسمها، ووضعوا جميع ألقاب الجنون عليها! من هي ؟ إني اليوم لا أعرفها، وعند التخبط والتعب وسط البحث والسؤال وسط التأمل والصمت وسط اللاشيء والمحال، وسط اليأس وشحيح الأمل، عندما تصفحت الكثير من الكُتب وقذفتها، وشربتُ أعداداً هائلة من القهوة وكرهتها، عندما سألتُ المرآة عني،وأعتزلت الأصدقاء والحديث والكلم، وكل شيئاً كان يربطني بروحي الضائعة مني، وفي مقدمة اليأس، وعندما أخذت الكأس، لأشربه على عجلة وأنتهي من هذا البؤس، كاد كأس التقبل يسقط مني، فإذا بي أعود مراراً لأحتسيه وأنتهي، لأتقبل هذه الروح الباهتة، الضائعة، اليائسة، التي تكاد أن لا ترى لوناً سوى الرماد والأسود، التي كرهت كُل الكتب والأقلام، والفجر والكلام، التي تغرق شيئاً فشيئاً بوحل الصمت، فإذا بالكأس يسقط، كارهاً رجفة يدي، وأنتثرت قطع اليأس، فتكسرت بلا بؤس مع الزجاج، ظننت أنها النهاية فبكيت، بعد طول صمتاً وتعباً صرخت، حتى اليأس لا ينتمي لي، وأبتلت جميع ثيابي، وظننت أن الدمع فأضمن كُل جسدي، فإذا به يزداد حتى سقط الشعر على الظهر، وأغتسل الوجه والنحر، فرفعت رأسي عالياً للنظر، أواه أنهُ ليس الدمع المُنهمر، أنهُ المطر ! فإذابالدمع يتحول من ضيقاً يائساً مُنكسر، إلى دمع فرحاً مُنغمر، وبدأت الرقص مع روحي تحت المطر، أواه إنه أنا ! أنا المطر وأنا ذالك السحاب المُنهمر، وأنا الحالمة بلا يائسٍ وكسر، أنا عروق الشجر، وصفحات كُتباً تعانق الرف المُنتظر، أنا صديقة القلم، وعاشقة للحُلم، أنا بيتي هو الشجر، بكُل قطرة غيثاً بللتني،كانت ترسم روحي أمامي، وعندما كُنت أدور تحت المطر مغمضة العينان، أرى جميع المشاهد تحاوطني، أرى روحي .. روحي التي تنتمي للمطر، وكوب بُناً أسود، وجذور الأشياء، والنظر في العمق دون عناء، فالكل يتخبط بجنون باحثاً عن شيئاً مكنون، شيئاً أضاعه في كومة سكان، أو سقط منه عند الركض لمكان، مكاناً لم يجد فيه الأمان، وانتماءٍ وحنان، وعند الوصول ظناً أنهُ فاز بالحصول، فإذا به خسر المحصول، عندما خسر نفسه بذهول.
كتبت بسمه العتيبي
0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟