لم تكن قراءتي عادية لكتاب "مدمن كتب"، الذي يتحدث فيه مؤلفه "وضاح بن هادي" عن حياة علي الطنطاوي "رحمه الله"، وولعه الشديد بالمطالعة والقراءة، وكيف أنه كان يقرأ في كل علم وفن؛ من تراجم وسياسة، وسيرة وتاريخ، وحديث وتفسير، وفقه وأدب، بل أنه تعدّى ذلك بقراءة واسعة للترجمات العالمية في مختلف النتاجات الأدبيّة، مما كان لذلك أثر جميل في جمال وعفوية كتاباته، وقد لفت انتباهي ما قالته حفيدته في كتاب: "هكذا ربّانا جدّي"، حيث أنها قالت عنه أنه لم يكن يستغني عن الكتاب إلا بقدر ما يستغني عن الطعام والشراب والمنام، وسواها من أساسيات الحياة، بل أنه حتى عندما توفي والده، وكان عليه ديون، بيع كل ما في الدار وفاءً لها، إلا الكتب رفض علي الطنطاوي - رحمه الله - أن يبيعها، وهان عليه فقد كل شيء، إلا الكتب لم يتحمل فكرة فقدها.
وكان -رحمه الله- يقول عن نفسه أنه كان طول عمره يعيش وحده، وكتبه أنسه، وقد كان يحبها حباً جمّا، وكانت هي تبادله نفس المشاعر، لأنها منحته الأنس والرفقة والحب، وما إن يأتيه كتاب لا ينام إلا وقرأه، وإن كان كبيراً يضيق الوقت بقراءته، ألمّ بموضوعه وأسلوبه، وتصفحه ونظر في فهرسه، وقرأ مقدمته.
وقد وَهب علي الطنطاوي - رحمه الله - قلمه ولسانه في الدفاع عن الإسلام، فكان مناضلاً ومتصدياً لقضايا المسلمين المعاصرة، وثائرًا على الفساد والمفسدين، والظلم والظالمين، والاستعمار والمستعمرين.
في الحقيقة لقد تعمقت مليًّا في كتاب "مدمن كتب" فشعرت أنه كرسالةِ إعتذارٍ عن تلك الفئة الساذجة من البشر، ولم أشعر بهذا الشعور إلا لأنني وبكل بساطة تعلمت منه ومن حياة علي الطنطاوي -رحمه الله- خاصة أنّ الخلوة بكتاب أفضل من مخالطة الحمقى، والاستماع إلى نقاشاتهم التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ومجالسة التافهين لأننا لن نجد ناقتنا فيهم ولا جملنا، وعلينا أن نخالط العقلاء وأن نستثمر وقتنا معهم، لأننا سنوسع من مداركنا ونروِّح عن أنفسنا، ونستفيد منهم الكثير والكثير.
ولا أخفيكم لقد كان كتاب مدمن كتب بالنسبة لي كدافعٍ شديد للإكثار من القراءة والكتابة، والمداومة عليهما وعدم تركهما.
إن القراءة والكتابة - بفضل الله - أصبحت وطنًا للأرواح الباهتة والعليلة، ففي بطون الكتب وجدتُ أنسًا لم أجده في أي شيءٍ آخر، وبها ما يغدق علينا مدراراً من الحِكم والعِبر، والمتعة والفوائد أفنان.. وتلك الكتب التي أعنيها هي التي تتحدث عن قصص الأنبياء - عليهم السلام - وأخبار النبي الهادي - صل الله عليه وسلم - وأصحابه الكِرام - رضي الله عنهم- وأقوال الشعراء والحكماء والأمراء، وأهم وأفضل وأعضم من كل الكتب، هو كتاب الله "القرآن الكريم"، الذي تبكي له أفئدة قارئيه من ما رأته مقلهم من كلامٍ إلهي رائع عظيم لا يحيط بروعته وجلالته وعظمته البيان، فهو خير ما يقرأه المرء، بشرط أن يفهمه ويتدبر معانيه، إنه - بفضل الله - يجعل اللسان فصيحاً والقول بليغاً، وإنه أيضاً أساس هداية القلب، ودستور الحياتين وسبب السعادتين، وهو كذلك غذاءٌ كافي ودواءٌ شافي، وعلاجٌ للروح من نوائب الدهرِ، وجلاءٌ للأحزان والآلام، و الأوجاع والكروب.
وأضحت الكتابة - وبفضل الله - متنفسًا لقلبِ كل امرئٍ حزينٍ ومهموم، ومغموم، وشفاءٌ للنفس من قالٍ وقيلاً، وهي أفضلُ صديقٍ تستطع أن تتحدث مع وبدون أن تنبس ببنت شفة، عن ما ضايقك وأزعجك في يومك من أمورٍ لا تعلم ما كنهها، ومن مواقف نهشت قلبك وأنهكت روحك، ومشاعر جيّاشة ومتأججة أضنتك، فتشعر وكأن قلمك قد فتح صنبور ماءٍ بارد وصبه على سويداء قلبك صبا فأنتعش وابتسم.
وعند انتهائي من قراءة كتاب "مدمن كتب" بدأت أتمتم مع نفسي قائلةً : "لماذا لا يقرأ كل الناس الكتب، فالقراءة تعلمنا أدب الجواب والسؤال، وتعلمنا كيف نختار الرفاق الجيدين والصالحين، وتعرفنا على أشخاص عظيمين ورغم وفاتهم إلا أنهم لا زالوا يعيشون داخل الكتب، وذكراهم عبقة، وتعلمنا الطريقة الأنسب لإدارة المشاعر، والمواقف بحكمة، وفطنة، وألا نحتدم الوقف بها، إنما علينا أن نفرخ من روعنا، والكثير والكثير من الأمور التي لولا الله ثم القراءة لم نعلمها، والكتب لن تمنحنا الأبدية، وليست هي السبيل الوحيد للمعرفة، لكنها بالتأكيد أفضل من قضاء الوقت في الفراغ، وإهداره فيما لا ينفع، ذلك نحن نحبها ونستمتع برفقتها، ونبجلها كثيرا، وننصح غيرنا بقراءتها.
ومن ثم انتابتني رغبة جامحة بأن أهندم أوقاتي كلها لتكن بين كتبي وخير أصدقائي، وبأن أقتنِ الكثير من الكتب، و أقرأها كلها، وأقضِ حياتي كلها معها، لكن هذه الرغبة سرعان ما تتوارى وتتلاشى، وفي الحقيقة إن ذلك لا يحزنني فهكذا هي طبيعة الحياة على كل حال، وبعدما وضعت كتاب "مدمن كتب" على الطاولة، لم ألبث أن بدأت استعد لركوب متن كتاب آخر.
كتبت رزان

0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟