‏إن المرء الذي يقرأ عن سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم-وأصحابه الكرام - رضي الله عنهم- وعن قصص الأنبياء - عليهم السلام- والقرآن الكريم ، ستنقشع سحابة الحزن عن قلبه، وستلقى في جنانه خمائل البستان، وستينع المسرَّات في فؤاده، وسيبكي قلبه قبل مقلتيه اندهاشًا وفرحًا وجذلاً في آنٍ واحد، فعند قراءتي لكتاب الرحيق المختوم الذي يتحدث عن حياة الرسول الهادي - صل الله عليه وسلم-وأصحابه - رضي الله عنهم- تذوقت منه نفسي لذة روحية لا تدانيها اللذاذات، وكلما قرأت منه سطرًا تلو الآخر، نسيت نفسي وزماني، والدنيا ومن فيها، وكل امرئٍ كان في عقر داري، حتى أنني لم أشعر أبدًا بمن يقطن معي بغرفتي، والشيء العجيب أنهم كانوا لا يبعدون عني إلا أمتارًا قليلة، وكأنما روحي، وعقلي، وأنفاسي، وكل شيءٍ يتحرك بجسدي داخل هذا الكتاب، حتى أنني لم أشعر بشفتاي تتحرك وأنا أقرأ، فبات جسدي كله بلا حراك!

وقد أحسستُ أنني أعيش مع النبي صل الله عليه وسلم، وصحابته الكرام رضي الله عنهم، فتارةً أشعر وكأنني أتهيأ لقتال العدو معهم، وتارةً أخرى خِلت أن غرفتي كانت ساحة القتال، وكأنني كنت جالسة على الثرى لا على الكرسي!

وكل يوم، أشعر أنني كقبطانِ جاريةٍ يجوب البحار ليكتشف ما يقبع بأعماقها، هكذا كانت حالي مع كتاب الرحيق المختوم،أُبحر وأُبحر في أعماقه لأرى ما قد فعله النبي - صل الله عليه وسلم- بغزواته وبعوثه وسراياه، فإذا ألقينا نظرةً عليها، لا يمكن لي ولأيِّ امرئٍ كان إلا أن يقول عن حبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم- أنّه كان بفضل الله عزّ وجل أعظم وأشجع قائد عسكري في البشرية جمعاء، وأقواهم وأشدهم قوة وتيقظًا، وكان - عليه الصلاة والسلام - يغضِ معاركهُ ببسالةٍ وحزمٍ وتدبير، فقد تجلّت عبقريته الفذة التي لم يُرَ مثلها قط - بفضل الله - أمام الجميع سواءً أعدائه أم أصحابه وجيشه، وقد احتال على أفضل المواضع لمجابهة العدو، واختار أحسن خطة تُدير دفة القتال لم يدير أيُّ امرئٍ أفضل منها قط، وكذلك كان يعبئ جيشه ويعينهم في أماكن استراتيجية، ولذلك -وبفضل الله- انتصر ولم يفشل في معاركه، وعندما عصى بعضٌ من جيشه أوامره في غزوة أحد، وكاد أن يفل لولا أنه بعد - فضل الله- أعاد المياه إلى مجاريها، بحكمته المنقطعة النظير، وبعبقريته العظيمة، وسحقهم سحقة منكرة، فأبقى في صدورهم أسوأ علامة، ولم يكن أمامهم خيارٌ حينها إلا بأن ينجو بأنفسهم. 

ولم تكن غزواته أثرت فقط على الجهة العسكرية، وإنما -بفضل الله أولا ثم بفضله- عم السلام والأمن، وأُطفئت كل نارٍ أذكتها الفتنة، وخلي السبيل لبث ونشر الدعوة الإسلامية، وحطمت آمال الأعداء في صراع الإسلام، وعرف النبي - صل الله عليه وسلم-من هم المنافقون الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، والذين تلتهب نار الغدر والخيانة في قلوبهم.

يا لعظمة وروعة وبهاء وجمال كتاب الرحيق المختوم الذي قد منّ الله على كاتبه -صفي الرحمن المباركفوري- قلمًا سيّال عذب وبهيّ ليكتب لنا وبأحسن وأروع صورة هذا الكم الهائل من الأحرف والكلمات الحسنة والجميلة، حقًّا إنه كتاب تقرأه الأفئدة لا الألسنة، لقد كان لي صديقًا يؤنسني، ويثريني، ويسقي أغصان ريحاني بماءه الزلال، وقد استمتعت واستفدت من قراءته كثيراً، وفي الحقيقة لقد اجتاحني الحزن وذرفت عيناي عند قراءتي للجزئية التي تتحدث عن وفاة النبي -صل الله عليه وسلم- الذي لا أنا ولا أي إنسان ولا البيان، يستطع أن يصف جمال وحسن وكمال خَلَقه وخُلقهِ، فاللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

واللهم ثبتنا على دينك الحق حتى نلقاك.

كتبت رزان