لطالما كانت الإنسانيّة الخيط الرفيع، والعقد المتّين بين بني البشر، لولا الطِباع الإنسانيّة، لما تعاطفوا، وتآخوا، وتعاونوا، ودافع أصحاب الحق عن المظلومين، ومنح الأخ أخيه الضعيف سربالاً يقيه من أوجاع الحياة، وكان له معكاز إذا تدهورت به الأوجاع، وعبثت به تجاعيد الزمن، وما رضي أهل الشهامة بغدر الخائنين، وما تخاذل الأبطال عن نصرة المُتعبين، وما نفر الكرماء يَجُوبون الدنيا بحثًا عن المحتاجين؛ ليمنحوهم أموالهم المكتّسبة بعرق الجبين. 

ومن البشاعة ما يكون الإنسان فاقد لهذه القيّمة العظيمة. يبــدأ في استخدام القوة، غير آبه بالأضرار الناتجة عن الحطام الذّي يخلفه جرّاء عنجهيته. يريد تحقيق رغباته دون اعتبار للإنسان الذي يعيش معه في هذه الحياة، يريد لنزواته أن تعبر القارات إن كانت مُحقّقة لاعتباره المُزيّف، فلا يتورّع بتحرّكها نحو كل هدف يريده ولو كان علـــى حساب حياة الآخرين وبراءتهم. يســـعى لسطوته أن تنتشر و تتمدّد، ولرغباته حق الاستحواذ وتبديد كل ما يقف أمامه. فالإنسان عندما يتجرّد من الإنسانية يكون وحش ضاريًا لا يفرق بين صغير ولا كبير، فلا يجيد سوى حصد أكبر قدر ممكن من الأهواء القابعة في قائمة أمنياته وطموحاته النَّتنة.

وما نتيجة هـذا إلا حقارة في النفس وجدها في أعماقه نشأت مــعه، تغذّت بمــاء الحقد وطعام الازدراء، فعندما حيزت له السلطة، لم يتوانى في إطلاق وحشه الكاسر الغائب عن الإنسانيّة، القابع في دائرة الحقد، الناصع بالبشاعة، والمتآلف مع القسوة. فكان العبث يصول ويجول دون هَوَاده، وكأنه ريح لا تهدأ، وعاصفة لا تعرُّف سوى الزَّوبَعَة.

وما اقتادني لمثل هذا الحديث، رواية "أرض الله" لأيمن العتوم، التي تَجلَّت فيها الزاوية المشؤومة في نفـوس البشر، الرّاكــنة لمطــامع الهوى، وتشوّهات النفس، المُكــبِّلة لجــمال التّوادِّ بيــن النّاس، الرَّامية بها في عمق زنازين الجفوة المقيتة، العابقة بظلام الرغبة الفاسدة، المحطّمة لمعاني نبيلة عذبة، ومبادئ كريمة يرتكز عليها الإنسان السويّ.
اجتثوا كل بذرة شهوة في نفوسكم عندما تريد التعملق على أكتاف الإنسانيّة، فإن تمكنت واشتدّ عودها، سيعود أثرها على النفس ولو بعد حين.

كتب فيصل بن مشعل (السموأل)