أن تفقد وجودك إنسانيتك فكرة مرعبة أن تصبح بلا حَراك لأنك نسيت ماذا تريد  أن تمارس وبإي الطرق تريد؟! قلة حيلة بعد قوة وسكون بعد ضجيج تشعر بالغربة وسط محيط أنت صاحبه ومشيده بين أسرتك التي لم تعد تعرف إن كان بينكما قُربى أو مودة أسير للفناء والتلاشي وما أقسى أن تعيش بلا ذاكرة! كما قال الطاهر بن جلون :"آه من النسيان! النسيان اللعين العدو الذي يسرق كل شيء خاصةً ذكرياتي فبأي حق يفعل هذا؟" وعندما يصاب الإنسان بمرض لا يشفيه سوى الموت وفقط الموت فمن الطبيعي أن تُذّهل كيف لحاله وهو ينطفئ تنعدم رغبتك في الحياة وملذاتها تتأمل حاله  كيف كان وكيف يتبدل؟! كيف لمرض أن يصيب خلاياه الرمادية في لحظة وعي فيصبح شخص آخر وربما أنت أيضاً بالنسبة له. تلك هي أحساسي ومشاعري الخاطفة في أيام مضت وأنا أقرأ عن هذا الوباء القاتل أشعر أنه من الضروري أن نتشارك سويّاً بعض جزيئات الأمور ودقائقها في حكاية تروى على لسان احدهم لتقول :

ذات مساء كان على المائدة صحن فواكه وكان بالقرب منها طلبت أن تناولني تفاح فقامت من مكانها وبحثت كثيرًا في الغرفة ثم ناولتني جهاز التحكم بالتلفاز ظننتها تمازحني ويا ليتها كذلك، وهكذا بدأت بوادر المرض في اجتياح ذاكرتها وسحقها . 
الكثير من التفاصيل الصغيرة ضاعت منها، نسيت أسمائنا، مسميات الأشياء، الإتجاه المؤدي إلى غرفة نومها، خلطت الكثير من الأمور ببعضها، تعثر لسانها، استذكرت الماضي: أسرتها، الجيران، مسرح الجامعة. عاشت رفيقة للورقة والقلم لكن منذُ ظهور أعراض القاتل المتلصّص غفلت عنها تمامًا تمامًا وفي ربيع 1439هـ اتجهت إلى مكتبها وكتبت : 
"مضيت في الأرض البسيطة مبتهجة أحب الحياة متشبثة بها تخبرني أمي أنني كنت مبتسمة حتى في أحلك الظروف ليتبادر إلى ذهني الآن هذه الكلمات كانت تكررها عندما أهزم. حيث عبرت طفولتي بجمالها وبؤسها فكبرت و توظفت ثم توليت مناصب عديدة، ألتقيت بشخصيات فذة صاحبة نفوذ أو حتى فقراء، معدمين ومشردين في الشوارع كل منهم نال نصيبه من وقتي ولطالما كنت  فضولية باحثة عن العلم والمعرفة في مكتبات العالم وبصحبة الأدباء ... ...إنني بارعة  في لعب كرة القدم أحب........ ربما نسيت ما الذي أردت كتابته لكنني سأحاول شحذ ذاكرتي التي داهمها الخرف فلابد أنه من الصعب والاستحالة تدميرها بسرعة!! أبنائي و3000 كتاب المرصوصة في مكتبي، ولا أعلم الآن كيف كتبت 190 كلمة تظهر هنا في الجهاز الذي أمامي" .
ثم مضت سنة.

اثنا عشر شهرًا يا أمي وأنت لم تعودي إلى مكتبك القلم والورقة كما هي لم نحركها ولم نزيل الغبار عنها رجاءً منّا أن تعود لك الذاكرة ولو لثواني أو دقايق وعن كلماتك المبعثرة فهمت مُرادك (الوصية) بشأن كتبك وثمت كلمات سطرتيها لا صلة بينكما ولا رباط، بالطبع غمرتني الفرحة عندما دونتِ هذه العبارات لكني أصبتُ في مقتل، أهذه أنتِ؟! يا من كانت تتدفق اللغة من فمها العذب؛ لتشكل لوحة أدبية فريدة تروي المتعطشين لها.  
أماه كسرتِ جناحي التي كانت تقويني على شدائد الحياة فتجمع عليّ رحيل أبي وفقدان ذاكرتك. 

 السطانة كما نحب أن نلقبها:
والدتي أديبة وشاعرة، تولت مناصب عديدة، ومثلت الدولة عدة مرات، وسيدة ذات شخصية جذابة "الأناقة، الحكمة، اللباقة حيثما حضرت" هكذا قال: أحد منافسيها بعد انتصارها عليه في مناظرةٍ حول التراث العربي، دمثة الخلق، مؤرخة للتراث الإنساني، عاشقة للخيل، ذات رغبة مشتعلة ومثابرة شديدة ونضال مستمر حتى تم  إنشاء "مركز لتعليم فن الكتابة الإبداعي" بواسطتها. 
عن ذاكرتها المترنحة :

والدتي أنت أمامي وأنا ممسك بيديك والمسافة بيننا لا تُقاس ماذا يدور في خلجات نفسك؟ انظري إلى عيناي وأجيبيني (الرقم خمسة) ماذا تعرفين عنه؟ هل تذكرين حكاياتك، قصائدك، مقالاتك والخاتمة في كل مرة "أحببته لأنه عدد فلذات كبدي" أو لماذا تركضين خلف كرة ابن أختي وتقولين عنها يا لها من هرة وديعة؟ سألتيني ذات مرة عن جارتنا التي غادرت الحي منذُ سنوات لماذا لم تأتي لحضور الأمسية الثقافية أراودك الحنين إليها؟ في كل صباح أرويك بالماء حتى يذهب عطشك وبعد ذلك تقولين: عصير البرتقال الطازج يا أمي من أي متجر ابتعتيه؟ في كل مرة يتوجب علينا توجيهك في طريقة تناول الطعام وتنظيف أسنانك "أمي افعلي كما أفعل" والحديث يطول والقائمة تتمدد.

أكاد أن أفقد أنفاسي وأنا أحكي لك عن حالك وظروفك أرجوك تحدثِ منذُ شهر لم أسمع صوتك وكأنك توبخيني كما كنت تفعلين معنا في سن المراهقة أمي بالأمس قَدِم إلى بيتك العامر صديقاتك قدمت لهن الضيافة كما تحبين وبالطريقة ذاتها التي تعلمتها على يديك تحدثنا عنك وخالط حديثنا شيئاً من الدموع شاهدنا الفلم الوثائقي الذي طلبت من ابن خالتي صنعه لك موثقًا به مسيرتك العلّمية والعملية؛ دعمًا له منك في بداية مساره العملي وكأنك تعلمين إنك تودعيننا وهذا ما سيتبقى لنا من بعدك لا تدركين ما حلّ بك أنتِ في مجلسك وبين محبيك ولأول مرة لا تشاركينا الحديث. صمتك مهيب، فراغ كبير في نظراتك تبحثين، تكتشفين تشابهت عليك الوجوه والأسماء انكسرت بوصلتك إلينا. أمي هأنا أمسح بيداك على شعري وأمررها على وجهي هل تشعرين بي؟ جسمك نحيل بارد، شعرك غزاه الشيب، بكائك المفاجئ، مشاعرك المتناقضة بحاجة إلى العطف والحنان كما الطفل الصغير. 
في كل مرة أبكي في حضنك تبكين معي تشاركيني الصعاب التي مّرت بك ثم تقولين انهضي وتنشدين :
          ولم أجِد الإِنسانَ إِلا ابن سعيِه
                      فمن كان أسعَى كان بالمجدِ أجدرا
          وبالهمةِ العلياءِ يرقَى إِلى العُلا
                      فمن كان أرقَى هِمَّةً كان أظهرا
          ولم يتأخرْ مَن يريدُ تقدمًا
                       ولم يتقدمْ مَن يريدُ تأخرا
                                              ابن هاني الأندلسي 

متعبة حقًا والتعب معك وبجوارك حلو مستساغ ومر علقم أخشى عليك حتى من نفسك أنتِ يا من كان يتقوى بها الضعيف والمظلوم. الوباء موت نذل حقير يتربص بك، حرمك من قدراتك الطبيعية يعبث في رأسك ألمًا وفساداً تغلغل فيك وحرق كل شيء نعم كل شيء "الزهايمر" لايفرق بين الجيد والسيء وربما يمحو الذكريات الطيبة قبل الرديئة أمي نسيتِ من أنتِ و ماذا كنتِ بلا  ذكريات ....بلا ماضٍ .... فهل ننسى نحن ؟! .

كتبت أزهار الخثعمي