الغربة في المفهوم الشائع هي البعد عن الأوطان، لكن مع مرور الوقت أصبح للغربة أبعاد أخرى، لست بصدد عرض كل الأبعاد لكن سأتطرق لبعد واحد، وهو الأهم عندي ألا وهو غربة الأديب والعالم  في مجتمعنا العربي المعاصر وقد قيل قديمًا أزهد الناس بالعالم أهله وجيرانه وبالفعل أثبتت هذه المقولة صحتها، فبعض المقولات تكون نظرية فقط ليس لها وجود في الواقع المحسوس، لكن هذه المقولة تزداد صحتها يوماً بعد يوم.

 كم من أديب وعالم مات ومات ذكره معه وكم من جاهل مات ولم يمت جهله ، قد نطرح سؤال بعد أن قرأنا المثال سابق الذكر ألا وهو لماذا يموت الأديب والعالم وينقطع ذكره ويموت الجاهل وما مات جهله؟، الإجابة هي أن المجتمع العربي المعاصر مضطهد وحبيس آراء السلطة، فينشأ لديه كبت يزداد يوماً بعد يوم، فيبحث المواطن المسكين عن أشياء تنسيه هذا الكبت والقهر، منهم من يلجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعي بحثًا عن تزجية الوقت، ومنهم من يلجأ إلى المخدرات وتنتهي حياته بنهاية مأساوية للغاية، ومنهم من يتمرد على هذا الاضطهاد فتنطفئ شمعة حياته بوقت قصير، ومنهم من ينمي من ثقافته لكي يغلب السلطة بذكاء وهم قلة قليلة.

 إذًا بعد أن عرضنا الطرق التي يلجأ إليها المواطن المسكين لكي يهرب من جحيم السلطة يتبين لنا أن غالب المجتمع يسلك طريق اللهو، فتنشأ لديهم حالة من الغباء الجماعي، وهذه حالة فظيعة للغاية ولها أبعاد سيئة،من هذه الأبعاد أن العالم والأديب يرمى في المرتبة الأخيرة، لا يستطيع إبداء رأيه وإن استطاع سيصب عليه وابل من الشتم والكلام البذيء، فتم إقصاء العلماء والأدباء وازدرائهم وأصبحوا في طي النسيان، أما الُجهّال أصحاب المراتب الأولى فلهم كل التقدير والاحترام ورأيهم اولى من رأي العاقل، وإن مات منهم جاهل من سفلة القوم لطموا الخدود وبكوا بكاءً جماعي وإن مات العالم أو الأديب ينسى كأنه لم يكن، هذا واقع مجتمعنا العربي المعاصر، انقلبت فيه المفاهيم وحارت به الظنون.

كتب راشد الميموني