عبرنا مراحل كثيرة، أصعبها حتى أسهلها، ولا زالت الحياة تختبر صبرنا، ولا زلنا ندهشها، وفي أحيانٍ أخرى ندهش أنفسنا، وأحيانٍ أخرى لا نجابه، بل نسقط مرتمين عليها وكأننا نطلب منها النجاة، وأن تساعدنا على الوقوف، و تلهمنا للعبور، أو حتى أن تصدر صوتاً يجابه تعرجات الحياة معنا، أغلب معاركنا التي نخوضها لا يلحظها ولا يخوضها غيرنا، وحتى ذكرياتها لا يتذكرها سوانا، لا نشاركها أحد، بل نواجهها بصمتٍ عارم، فقط أنت من يسمع ترددات أنينها، هكذا تعلمنا وهكذا نكون، والذكريات في لحقيقة ليست ذكريات عابرة أو تشنجات للواقع، بل لقطات تسحبنا من حاضرنا وتعود بنا لتلك النقطة الأولى، هي تأتي هكذا بكل ما بها، فالذكريات لا تأتي ناقصة، بل كاملة وربما تزيد.

لطالما كنا في لحظات ظننا أنها النهاية، بالرغم من شعورنا بذلك الضعف والتعب لم يخرج منا صوتاً، بل كنا نراقبها حتى حللناها، حتى تخطيناها، تخطيتها بعد الكثير من التخبطات والحيرة، تلك التخبطات لم تكن تقلبات وهواجس، بل مشاكل حقيقية ملموسة، ولكنك تتجاوزها بتلك الكاريزما التي عُرفت بها، كاريزما مليئة بالهدوء والتركيز، لتنقذ نفسك من ورطة جديدة.

الآن تعود بك الذاكرة لتلك اللحظات الصعبة، الوحيدة، السودواية أحياناً ورمادية غالباً، تكون مابين هاتين الحالتين، تتذكر لحظات الصمت الصادمة لك في حين الموقف يتطلب منك الصراخ، ولحظات الصراخ التي لم يتطلب الموقف صراخاً بل صمتاً، تلك اللحظات التي لم تعرف مشاعرك وتصرفاتك أدوراها بل كان لا يهمها حتى إن سرقت دور البطل أو حتى أن تكون المخرج الذي يصرخ في الكواليس، أو ربما تكون البطل الذي غادر موقع التصوير بلا عذر وهرب مخلفاً وراءه علامات التعجب.

في ظل هذه البعثرة، الحياة تُرسل علينا أشخاصاً يفهمون هذه الفوضى، في وقت يطلب منك الناس الانتظام، شخص يساعدك في جمعك وترتيبك، أن يعطيك الهدوء والراحة، والتفهم، أن يرغب بمساعدتك لتعود لوعيك، هذا الشخص بمثابة النعم التي يرسلها الله علينا في هذه الحياة ومشقتها؛ ليعلمك كيف تهدأ وكيف تواجه مشاكلك وهو بجانبك يطمئنك، برأيي الحياة لم تقم على مبدأ الوحدة، هناك لحظات تريد أن تبقى وحيداً وأن تبتعد لكنها لحظات لا تُذكر، أما الحياة هي كلمة أكبر من حملها على أكتافنا وحدنا، لا يمكن أن تواجهها وحدك بسهولة، لا أعني أنك لا تقوى على ذلك، بل تقوى، ولكن لماذا؟ لماذا تحمل نفسك عبئاً كبيراً، وأنت وحدك، وفي هذه الحياة الكثير من يريد الإمساك بيد الآخر ويلهمه، ويساعده، لماذا لا تسمح لهم بذلك؟ ربما هذا ما سيجعلك مرتاح البال، مطمئن القلب.

كتبت هاجر المِرعي