سوريا.. يا جرحي، كم كنت أرغب باستخدام خيالي لأسهب في الحديث عنك، عن جمالك، عن شعبك، تراثك، عن روعة المشي في شوارعك، لوتغنيت بياسمينك الدمشقي، لكن واقعك أسوأ بكثير، دمروكِ يا أجمل ما فينا، قتلوا شبابك، يتموا أطفالك، رملوا نسائك، دفنوا الأحلام والطموحات كما يدفنون الجثث، حطموا مستقبلك، حولوا ترابك النقي إلى دم، ونهارك إلى ليل دائم.
بعد مرور عشر أعوام على الثورة، وثقت الإحصائيات مقتل ٣٨٩ ألف شخص، منهم ١١٧ ألف مدني، و٢٢ ألف طفل، و١٤ ألف امرأة، و٨١ رجل. وتعد حصيلة الشهداء من المدنيين الأعلى، خاصة إذا ما أضيف لها عشرات الآلاف من المواطنين الذين استشهدوا تحت التعذيب في معتقلات النظام السوري.
٢.١ مليون شخص تمت إصابتهم بإصابات تسببت لهم بإعاقات دائمة، وتم تهجير ١٣ مليون شخص إلى مناطق اللجوء والنزوح داخل البلاد وخارجها. بعد ذكر هذه الحقائق والإحصائيات هل استطعتم استيعاب ولو القليل من حجم ظلم هذا النظام؟ نظام يطمح للإبادة، يسعى إلىتحويل أيام السوريين لمشاهد دموية وخوف دائم.
في مقابلات عديدة مع معتقلين سابقين استطاعوا النجاة من سجون الأسد، ذكروا الظلم الذي تعرضوا له خلال اعتقالهم، فقال باسل هيلم أنه كان يُعامل ومن معه على أنهم أرقام، فهم في سجون الأسد الظالمة ليسوا أرواح وأجساد بل مجرد رقم لا قيمة له، وصف باسل الإعتقال في سجون الأسد التي نفضّل جميعنا تسميتها بالمقبرة، بأنها تصفية بطيئة للمعتقلين، تجويع، ظلم، إهانات، برنامج تعذيبي ممنهج، فلنتخيل ما الذي كان يشعر به المعتقلين وهم يجهلون مصيرهم، منقطعين عن العالم، لم يرتكبوا ذنبًا. يجلسون في العتمة، معذبين، جسد بلا روح، يراقبون خطوات الجلاد وهي قادمة نحوهم.
ذكرت لولا آغا الناجية من سجون الأسد أن التحقيق معها لم يكن عبارة عن أسئلة، بل كان عنف وضرب وإهانة، تم رشها بالماء الحار، حرقوا رؤوس أصابعها، استمر تعذيبها ثلاثة أيام في غرفة التحقيق بلا أن توجه لها أسئلة، تم الإعتداء عليها من قبل الحراس أمام زوجها إلى أن فارق الحياة من القهر! هل فكرت يومًا، مالذي شعرت به لولا؟ وما مدى العجز والألم الذي قتل زوجها؟ وهذا ما يريد فعله النظام، التحرش بالنساء والإعتداء عليهن أمام المعتقلين، ليشعر الرجال بالقهر والنساء بالخجل.
المواطن السوري واجه ومازال يواجه الإساءة بجميع أنواعها، الإهانة في السجون، التعذيب، القتل، الاغتصاب، الانتخابات اللاشرعية، رش المتظاهرين السلميين بالرصاص، تعذيب الجرحى، تشتيت العوائل، تهجير الشعب، وكثير من المآسي لا يستوعبها العقل البشري، في المقابل للثورة وجه واحد جميعنا نعرفه وهو السلام، كان المتظاهرين يهتفون "سلمية، سلمية" وعلى عكس ما كان يروج النظام عبر إعلامه الرسمي فأسلحة المتظاهرين الوحيدة كانت هتافاتهم والأغصان الخضراء، والنتيجة سقوط الجرحى والشهداء ومداهمة البيوت.
الأطفال السوريون بالطبع لهم نصيب من هذا الظلم، كانوا يتعرضون للقتل والتعذيب والاعتقال باستمرار، يجبرون على عيش حياة أكبر منه مخالية من معالم الطفولة والبراءة، فالكثير منهم يقوم بالأعمال الشاقة بينما من في أعمارهم يذهبون إلى المدارس، وإن أردنا البحث في ذاكرة كل طفل سوري لن نجد سوى أصوات القصف، الدمار، الدماء، الاعتقالات والقتل. هل تقف الإنسانية عند سوريا وأطفالها؟
أختم هذا المقال برسالة إلى الثائرين، الغاضبين، الذين يحلمون بالحرية، برؤية وطنهم آمن، إلى عبدالباسط الساروت وغياث مطر وطارق الأسود ومي سكاف، إلى الأطفال، المعتقلين، الكبار والصغار، النساء والرجال، المفقودين، إلى الشهداء الذين كلما ذكرناهم بكينا، لم ننساكم، ما زلنا نسير بكلماتكم، نحفظها، نعلقها وشمًا على صدورنا، ونفتخر في نضالكم، وصبركم على الظلم، أنتم أساس الكرامة والعزة، أنتم من اختار طريق الحرية على الرغم من معرفتكم بأنه يمر عبر الموت.
"لن نفقد الأمل،
إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد"
مي سكاف

1 Comments
اتعجب كيف استطاعة الكاتبة أن تعبر عن عاطفتها تجاه سوريا مع ذكر معلومات سياسة وإحصائيات كيف دمجت الأمرين
ردحذفمقال قصير ولكنه ملم في أهم الأحداث التي حصلت
موفقة شوق اتمنى أن نقرء لكِ مقالات اخرى 💕
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟