شاهدت قبل ما يزيد عن سنة فيلم: (A beautiful mind) "عقل جميل" والذي يتحدث عن قصة حياة العالم الأميركي جون ناش والذي حصل على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام ١٩٩٤م.
كان ناش يعاني من الفصام وهو مرض نفسي يجعله يتوهّم أحداث تحصل له في حياته فيقوم بناءً عليها بأعمال يتوهم بحقيقتها. اكتشف بعد فترة واقعه المؤسف وقلّل من وطأة المرض - مع علاجه النفسي - بمحاولة محاربة التوهّم الذي يتردد عليه، إلا أنه كان يسقط في مصيدته بين حين وآخر.
الذي شدّني بعد ذلك أننا في حياتنا نشعر أحيانًا بحالات توهّم - تكبر أو تصغر - وهذا التوهّم قد يكون أغرب بعض الشيء من حالة الفصام، ومنها: توهّم المعرفة أو المكانة والعظمة والاهتمام وقد ندرك أننا لا نملك أيًّا من هذه الأمور ولكننا نجِدُ الَّلذّةَ في هذا التوهّم والادّعاء الباطل.
كنتُ في فترة أحب أن تذكر بعض المواضيع وبعض الشخصيات حتى يتسنّى لي أن أتحدث عن المعلومة الموجودة في الكتاب الفلاني أو عن المحاضرة التي ألقاها فلان عن هذا الموضوع؛ وأحاول جاهدًا أن أظهر ذلك في ثوب الاطلاع الدائم وقد يكون جملة ما قرأتها في مقالة عابرة!
لادّعاء المعرفة لذّة لا يعرفُها الصادقون مع أنفسهم!
ولكن في المقابل فإن شقاء التوهّم المعرفي يظهر متأخّرًا فيجعل في القلب من البؤس والكآبة ما يضاهي به تلك اللذة اللحظية؛ البؤس الذي يتمثّل في انكشاف جهلك وفراغ حصيلتك وتورّطك بمكانة لستَ أهلًا حتى أن ترقد عند بابها!
ما الذي يدفعني أن أجاوب على ذلك السؤال بجوابٍ أخذته من (Google) دون أن أرسل الرابط حتى أستطيع قول: "وقال فلان في الكتاب الفلاني كذا وكذا"!!
ما الذي يجعلني أجاوب أصلًا!
كل ذلك من رذاذ الادّعاء الفاسد الذي يفسد العزائم.
قد يكون مدّعي المعرفة لديه الحب لها والقراءة المتتابعة ولكنه يرغب أن يُعلِي من مكانته التي هو عليها فيتسلى بالتوهم والادعاء حتى تمر الأيام فيجد نفسه قد فقد من الوقت ما لو استغلّه بشكله الصحيح لوصل إلى ما يرجوه.
كان أحد معارفي حريصًا على أن لا يظهر المعرفة ادّعاءً وكان يحيل ما يقوله إلى مصدره، ويحيل نسيانه وخطأه إلى نفسه وكان يكثر من قول المصطفى عليه السلام: "المتشبّعُ بما لم يُعطَ كلابسِ ثَوْبَيْ زور"!
أعظم من توهم المعرفة وادعاءها، ادعاء الطاعة والإيمان والصلاح والتي لا تنقضي سوءاتها في الدنيا والآخرة والتي تجعلك مُنتِنًا بثوبٍ ظاهرهُ الطهارة!
أصبحتُ أكثر ابتعادًا عن تصدر المعرفة وعن الركض خلف المسارعة للإجابة، قد لا يكون ذلك على حساب استزادة معرفية حقيقية لكنّ ثقل الوهم والادّعاء فوق ما يُتصوّر.
ما أجمل أن تكونَ أنت دون محسّنات كاذبة؛ أتمنى أن أكون كذلك!
0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟