تردد صدى صوته الحسن في الأرجاء أبهج كل من سمع ألحانه وأنصت لأنغامه.
أدهش الخليفة العباسي بلحنه الفريد وصوته الرصين أبو الحسن علي بن نافع المكنى بـ زرياب؛ لعذوبة صوته ولون بشرته الداكن كذلك لأصالة صوته الذهبية.
والزرياب هو طائر أسود اللون جميل الصوت وفي رواية أخرى أن مفردة الزرياب في اللغة الفارسية تعني الذهب الأصفر.
علي بن نافع شخصية موسوعية من الثقافة والأدب والفنون، السراج الذي بدد العتمة وأضاء الطريق نحو حياة مدنية حضارية، الذاكرة المختزلة لفنون الشرق التي ساهم من خلالها بالرقي بذائقة المجتمع الأندلسي وعلى أثر تلك الخُطى أتخذت أوروبا منهج حياته وسيرته أنموذج لها، الحاذق في علوم عديدة، والبارع في فنّ «المالوف» الباقي إلى الآن في بلاد المغرب العربي، صاحب الأرث الكبير والأثر العظيم.
حكايتنا تبدأ من بغداد عندما طلب هارون الرشيد من الموسيقي أبو إسحاق الموصلي أن يقدم له صوتًا لم يسمعه من قبل فقام بتقديم علي بن نافع وبعد الغناء له طلب هارون الرشيد من أبو إسحاق العناية بالتلميذ صاحب الصوت الشجي ومداومة حضوره للبلاط الأميري وما كان من تلك التوصية إلا أن أشعلت نار الحسد والغيرة في قلب معلمه حتى هدده بالقتل أو الرحيل فخشي الفتى على نفسه واختار الرحيل من موطنه العراق إلى الأندلس.
وفي رحلة الهجرة كتب إلى أمير قرطبة "الحكم بن هاشم" في رغبته بالوصول إليه فرد الأمير مرحبًا بقدومه ومسرورًا بطلبه فالصيت والسمعة لهذا الموسيقي سبقته إلى الأندلس الخضراء وفي أثناء الرحلة بلغه وفاة الأمير فشعر بالإستياء والحزن ثم أشار عليه مندوب الأمير أن يكمل الرحلة ويقصد ابنه الأوسط الأمير عبدالرحمن وما كان من ذلك الأمير إلا الترحاب والإستقبال المبهج وهو المولع بالفنون والثقافة ليخرج برفقت حاشيته لإستقبال زرياب وعائلته فور وصولهم للأندلس.
فن ورقي وذوق عام
وهذا الإستقبال والمكانة التي ارتقى لها والإغداق في عطاء الأمير لزرياب انعكست على الدولة وسكانها فلم يكن موسيقيًا بارعًا بل أمتد ذلك الأثر ليشمل العديد من العلوم والمعارف كالفلك والحساب وعلم المنطق، بالإضافة لأنماط الحياة الإجتماعية للناس وسلوكياتهم، أضفى لمساته الإبداعية وبصمته الرائعة، علمهم الأناقة والإتيكيت حتى قيل إنه هو من علمهم الشرب بالأواني الزجاجية بدلاً الأدوات المصنوعة من الذهب والفضة، كذلك أهتم بمائدة الطعام وادخل مفهوم مفرش المائدة وغير طريقة تقديم المأكولات نصحهم بالبدء بتناول الحساء "الشوربة"، ثم الدخول إلى الأطباق الأكثر تعقيدًا مثل اللحوم، وتختم بالفطائر المحلاة بالعسل و المحشوة باللوز.كذلك طريقة تصفيف الشعر للرجال والنساء وضع قصات ونوع فيها بدأ ذلك بنفسه وأبنائه حتى أعجب بها ممن حوله ليتم بعد ذلك اتباع طريقته في تصفيف الشعر وتسريحه، ابتكر مادة؛ لتنظيف الأسنان تشبه المعجون زكية الرائحة دون أن تُعرف مكوناتها إلى الآن، وعن اللباس و أنواعه والأوقات المختلفة من اليوم والليلة وتقلبات الجو ومواسمه فنظم لهم طريقة اللبس وما يناسب كل زمن من النهار والليل وكل فصل من فصول السنة كلبس الثياب الخفيفة القاتمة الألوان في الربيع والملابس البيضاء في الصيف والمعاطف والقبعات التي من فرو في الشتاء. وهو من علمهم طرق النظافة والعناية بالبدن وأول من استخدم مساحيق ومركبات لإزالة رائحة العرق كذلك العطور ومرطبات الجسم؛ ليكون زرياب هو أول من وضع فنون الإتيكيت.
شغفه بالموسيقى
أنشأ معهدًا للموسيقى " دار المدنيات" حيث صُنِف بأنه أول معهد للفن بالعالم واستقطب هواة الغناء من المشرق والمغرب وأضاف للعود وترًا خامس، واستخدم ريشة نسر للعزف بها على العود بدلًا من الأخشاب، وجدد اللون الموسيقى للغناء في الأندلس فهو الذي يحفظ الألوف من الألحان والأغاني خاصة إنه يرتكز على ثقافة موسيقية استمدها من بغداد وبداياته مع أستاذه الموصلي ووضع شروط و إختبارات للفنانين، وتعليم أكاديمي مناسب لكل خامة صوت وفق مناهج ومعايير معرفية.للتتوافد بعد ذلك أعداد من النساء لتعلم الموسيقى حيث ذكر أحمد بن المقري التلمساني في كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" أنه من النساء القادمات إلى الأندلس: عابدة المدنية وكانت جارية سوداء من رقيق المدينة، والجارية قمر وكانت من أهل الفصاحة والبيان، وهي من بغداد وجمعت أدباً وظرفاً ورواية وحفظاً مع فهم بارع وجمال رائع، وأيضا الجارية العجفاء. لتقول عنه د/ مانويلا كورتس أستاذة التاريخ بجامعة غرناطة بأسبانيا: "زرياب الأسطورة الكبرى في الشرق والغرب كان السفير الكبير للموسيقى الشرقية في الأندلس فقد حمل معه كافة المعارف التي كانت تتوافر في المدرسة العباسية وبالأخص مدرسة بغداد وكذلك المعارف الأخرى القادمة من القيروان خلال عصر عبدالرحمن الثاني ونجد أن مدرسة الموسيقى الثانية التي أنشأت هي مدرسة زرياب".
علي بن نافع ذلك الفضاء الواسع من المعرفة، والنهر المتدفق من الإبداع والابتكار والتطور، ذو بصمة واضحة، وأيقونة راسخة في كافة المجالات. الضيف الدائم الحضور في المغرب العربي ومقاهي ومطاعم وفنادق ومتاجر قرطبة واشبيلية وغرناطة، ذكره لم ينقطع بين حوارات طلاب الموسيقى، وعازفي الألحان، وصانعي العود، وحافظي الموشحات.
كتبت أزهار الخثعمي
0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟