نسمات الصباح البديع تداعب وجهي الصغير، والشمس بلهيبها المشع تصنع ضوء بانعكاسها على أزرار قميصي، أخيرًا خطت قدمي آلاف الخطوات لأصل إلى قريتي، حيث رأت عيناي العالم لأول مرة، وداعبت أناملي هذا العشب الأخضر، كنا نقطن على مقربة من شاطئ البحر، ما زلت أذكر كيف تنافست أنا وأخي من يجمع أكبر قدر من الأصداف.

إنها الأيام التي حُفرت في ذاكرتي واختزنتها في مكان أمين، فعلى الرغم من تعاقب الأزمان كنت واثقة أني سأنفض عنها الغبار، وأزيل إقفارها لتفيق من جديد، ولكن يبدو أن ذاكرتي لم تكن من يحتاج الصحوة، فالمكان الذي ترعرعت فيه لم يعد كما كان لقد تبدلت الدنيا، فعلى الرغم من كونه مرتع طفولتي وعنوان صباي، إلا أنني أشعر اليوم أني غريبة هنا، حقا لم يعد يذكرني أحد.

حاولت ألا أبالي فهذا هو منبع ذكرياتي، وسأصنعها من جديد مع أناس أُخر، فتحت باب المنزل الذين انهال علي يغمرني بالأتربة العتيقة، وبدأت أنظف صفحات هذا البيت؛ ليعود جميلاً ورائعًا كما كان في ذكراي مع والدي وأخي.
تذكرت الحديقة وكيف كانت سابقًا عابقة بالريحان والياسمين، حاولت أن أزرع في مروجها نباتات شتى ولكن دون جدوى، لقد بارت الأرض علي حقًا أن أبحث عن أحد المزارعين وأسأله أسألتي المشهورة، بدلت ملابسي وبدأت أشق طريقي للقرية، التي طالما عرفت قدمي حارتها وأزقتها، وبالطبع لم تكن تبعد عن بيتي سوى القليل.
دائمًا كنت أشتري من هذا العم، وأذهب لذلك العم، وأتحدث مع هذا العم، ولكن الآن أصبح هناك أعمام آخرون، وصارت الشوارع مكتظة بالسكان بعد أن كانت قريتنا مرتعًا لرياح الشمال.

لقد مر الوقت بسرعة، تغيرت به الدنيا من حولي قبل أن ألحظ ذلك، لم أعد أرى البسمة المرتسمة على الوجوه، ولا إشراقة المحيا التي تنبع من القلوب، صار الجميع على عجلة من أمره، كأنه يلاحق قطار براق قاطعًا 320 كلم/س.
أفقت من مخيلتي الشاردة على صوت مطارق الصائغين، لقد سبحت بعيدًا أملًا في استعادة ذكرى الماضي، ولم أدرك أني تغيرت أيضًا، لم أعد تلك الطفلة التي تجمع الأصداف من على الشاطئ، لقد ذهب وقت اللعب والمرح، وصبغتني الحياة بعبارة طالما رأيتها على الجميع "لقد صرت كبيرة".

كتبت مريم محمد إسماعيل