وكان صديق والدي هذا لازالت تلوح في محيّاه بقايا من فورة الشباب ويجذبه إلى الكهولة حديثه المتأني المُحلى باستشهاداته الأدبية وبقايا لكنة عراقية يلوكها بلسانه كمن يجد متعة الحلوى التي ذهب الوقت بلذَّتها إلا ماتختزنه الذاكرة من لذيذ ذلك المذاق.
وكم أحببت العراق لقصصه التي يُطرِّز بها حديثه عن سنوات الدراسة والتحصيل هناك وتحديداً الزبير والبصرة وعن شطِّ العرب وأسماكه المشويّة على السفود والكباب العراقي اللذيذ فيتدلى فكي لهذا الحديث ولكن ذلك الانبهار لا يعادل هيامي بحديثه عن الأدب وشغفي به، وكم روى قصصاً أدركت بعد حين أنها من كتاب "الأغاني" وكنت حينها أظنه قد أدرك ولو آخر خلفاء بني العباس!! وإلا كيف تأتي له سرد هذه الحكايا ولم يغش بلاطهم ويقلب طرفه في السماء فيرى مقاصير قصورهم!!
وحصل أن زرته مع والدي وأنا مودعٌ براءة الطفولة مستقبلاً تساؤلات المراهقة، فأخرج كتبه الدراسية التي تخص مناهج العراق وأخذ يقلبها مع والدي ويعرضها له معرفاً بها فنظرت إلى كتاب مادة الأدب و بيدين عابثتين فتحته ليسقط بصري على اسم "بدر شاكر السَّياب" وكان هذا أول العهد به ويأتي بعد اسمه تباعاً:
(النهر والموت)
"أَوَدُّ لو أخوض فيك، أتبع القمر
وأسمع الحصى يصلّ منك في القرار
صليل آلاف العصافير على الشجر
أغابة من الدموع أنت أم نهر؟
والسمك الساهر هل ينام في السحر؟
وهذه النجوم، هل تظل في انتظارْ!!
تطعم بالحرير آلافًا من الإبر؟! "
أذكر جيداً أني حملت الكتاب بلهفة وأسرعت منزوياً عنهم في ذلك المجلس الرحب كمن رأى حبيبته في أحد المطارات المكتظة بدموع القدوم والمغادرة فعانق كفه كفها وانصرفا إلى زاوية الكون.
وبقيت زمناً رهن هذا السيّاب وحبيس رمزيّاته زاهداً في مكتبة والدي التي تعج بفحول الشعراء وطبقاتهم بدءاً بحماسة أبي تمام و خمريّات أبي نواس مروراً برباعيات الخيّام وليس آخرها ترجمات عزّام لقصائد محمد إقبال...

6 Comments
✨✨✨✨😩
ردحذفماشاءالله ايش هذا الأبدع ✨✨✨
ردحذفحبيييت الكلام يجنن😍😍
ردحذفاعجبني الانتقاء للشاعر السياب✨
ردحذفسلمت أنامل خطت ..بالإبداع زُيًنت ..وأحلى الذكريات سطرت
ردحذفالله على سلاسة العرض ورصانة الكلمات.. وددتُ أن لم تنتهي....
ردحذفإرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟