لقد تحولت في حياتي الشبه قصيرة إلى منازل عديدة بأشكال مختلفة. بنوافذ واسعة ونِصف مفتوحة ومغلقة تماماً في الظروف الصعبة. وبصفتي منزل مسؤول عن رعيته بقيت على وعدي الدائم بأن أكون آمنة ودافئة وإن لم يجدوا فيّ إلا الطمأنينة فيكفيني ذلك.
لم يحدث أن أطبقت بابي في وجوه الغرباء، وإنما كنتُ أفتحها لهم بحذر يغلفه حسن الظن. وبنظرة أو نظرتين أعرف ما يحملون بجراب أرواحهم من نوايا فإن كان به من الأمور ما لا أفضله أجعل الباب موارباً حتى يصيبهم الملل ويغادرون للبحث عن منازل تشبههم.

لقد مررتُ في أطوارٍ كثيرة، ولعل أقساها ما كنت به نزلاً للهاربين من أوطانهم . كان جوفي ملاذ الطيور الفارّة من البرد، وبعد أن آويتها و اكتنزت بالدفء عادت لأوطانها زاهية الألوان مُنعمة الفؤاد. حسبت أن النزل سيكبر بهم ويصبح منزلاً ذا شرفة واسعة وحديقة خلفية تُنشر على حبالها الثياب المُبتلة. لم تصدق وعودهم بالبقاء فأرمدتُ النار وأنهيت الأمر ليبقى الوطن وطناً، ويبقى النزل كما هو مؤقتاً وغريباً وبعيداً عن الأنظار.

وفي الطور- الواقعي- الذي يليه انتقلت بسوداوية مريبة من كوخِ دافئ الى منزل أصم في المدينة فطويت السجاد الفارسي العتيق وخرجت من صلب الطبيعة الأم، تسلّحتُ بالإسمنت. ساد اللون الرمادي على المكان، حاولت أن أبقي أركاني صلبة من العاطفة ولأجل ذلك رفعت الأسوار وأهملت الحديقة وغلفت النوافذ بالسواد تحالفت مع الليل وانبثقت عداوة غريبة بيني وبين الشمس والهواء. نقضت بوعدي ولم أعد أفتح الباب للطارقين ليلاً والغرباء.

لم يكن الأمر طبيعيًا، ولكنه آمن للدرجة التي تبقيني بعيدة عن نميمة الأشجار وتسمح لي بالتحديق للألواح المُشعة معظم الوقت مما يجعلني حينما أرى رفّ المعلبات أتسائل ساخرة ”هل تهتف أسماك السردين فرحاً عندما يمرر المفتاح على حواف العلبة المعدنية؟ هل تشعُر بالاختناق تحت الغطاء الحديدي أم اعتادت على الأمر؟”

في المنزل الأخير أصبتُ بحمى الوحدة، انسلخت الألوان عن جسدي ووجد الصدأ طريقهُ إلى جوفي، هُجرت بشكل معاصر بلا أتربة على الأرضيات ولا عناكب على الرفوف. ولا أطفال يركضون حفاة في الشارع الأمامي. 

أنا الآن في أفضل طور قد وصلت إليه، كالمنزل الذي كنتُ أرسمه دوماً في خيالي وعلى كراستي في حصص الفراغ المدرسية . واجهة زجاجية تفتح ستائرها للشمس، باحة أمامية مرصوفة بالخشب وعلى أطرافها تتراص أحواض الفخار، متسلقات خضراء حُرة، قطة تعبثُ بكرة صوف في الممر المفضى لغرفة الجلوس. وأنا هناك داخل نفسي على كرسيّ مريح أقرأ كتاباً وأصنع قهوة كلما رغبت بذلك. آمنة هادئة وراضية. لم يكن الأمر سهلاً للوصول إلى تلك المرحلة، لكنه حدث أخيراً.

بقي شهر لحين موعد يوم ميلادي القادم، وأحتار منذ الآن في ابتكار أمنية أطفئ من أجلها الشمعة.

كتبت هيفاء المحمادي