سجدنا لله شكرًا ...
هاقد انقضت يا صغيري رحلات علاجك ! وها أنت استوفيت جلساتك يا مُلهمي ، وانقضت عنكَ أربع سنوات عجافٍ ثقال ..
لا بأس لا يَهم ماذا حصل بالأمس المهم هو اليوم يا أخي .
ابتسم .
ابتسم يا محارب السرطان..
هَمستُ في أذنه بصمت" أنت أعظم مما تظن بكثير"
حسنًا الآن
أستودعتك الله ..
أتمتم بكلماتي ودعواتي دائمًا لأجلك
صليت صلواتي وكان صغيري كل دعواتي فيها ..
السرطان جعلنّي أمًا له بعد أمي وجعلنّي رفيقتُه في سفره وإقامته، السرطان جعلنيّ لا أفارق أنامل يديه ولا أبرح أرضي ما دام في ألم لا يُطاق ،
علمنّي دروسًا قاسية في الحياة.
وأبكاني كثيرًا .
لقد كان ينهش في جسده مرة تلو الأخرى كان يصارعه في اليوم ألف مرة، ثم يستيقظ أخي فيردد
اليوم لم أمت لقد هزمته بالأمس.. لكنيّ متعب
متعب و بشدة ..
كلماتُه تبتر ساعديّ وتكسر في قوامي
كان يشير إلى يديه وقد شوهتها آثار الإبر ويكاد الوريد من فرط الثقل يَخرج من صُلب جلده .
ثم تتجمع الدموع على مشارف عينيه لماذا أنا هُنَا؟
استيقظت في فجر الثامن من إبريل صليتُ فجري ثم نظرتُ إليه كما أفعل في كل مرة وأقبله ..
تركت قبلة على جبين طهر وجهه وكأني أقبل قالب من ثلج أمسكتُ بيديه فإذا بها تنصقل من فرط لينّها ..
صوت الأجهزة تصفر في حذر وعيناه تتزغلل في تسارع أنفاسه تتصاعد نفس خلف نفس ويزداد ..
بين لحظات لم تتجاوز الدقائق فإذا بالطاقم الطبي خلفي من كل جهة ليكن هذا حلمًا ياربي ..
ليكن هذا أضغاث منام يا خالقي ..
لم أتذكر أن أحدًا نظر إلى حُزني آنذاك سوى عاملة النظافة التي تمر في أسياب المشفى في الساعة الخامسة فجرًا ..
احتضنتني بشدة كان حضنها حضن أم
فأمي في تلك اللحظات ..
أين أمي؟
هَول صدمتي جعلتني أنظر في مؤشر الجهاز لا أمي !
حسنًا
تُصلي..
أمي التي كانت تواجهه كل أمر بالصلاة شعرت أنها تفقد شيئًا من قلبها فسارعت في صلاتها لعلها تربط على رق قلبها قبل أن يسرع ملك الموت في خطفه منها ..
إنها تفقد الخامس من أولادها الآن فلقد أذاقتها الحياة عَلقمها وعلقم الفقد ..
الغطاء الأبيض .. يغشوا على عيناه
لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيئ عنده بأجل مسمى
الكلمة التي يجيدها كل طبيب بعد أن يعجز طبه أمام القدر ..
رحل صغير البيت في عجلة رحل حبيب القلب في ومضة رحل تاركًا خلفه رسالة أرفقها إلي عبر جهازي المحمول
كان عنوانها ( إذا كبرت لن أصبح رجل إسعاف كما وعدتك بل طبيب سرطان الأطفال )
رحل أعظم أخ أنجبتُه لي الأقدار
وصرخت في أرجاء المشفى صرخة استيقظ عليها كل أهل المكان ..
لأن النعم لا تدوم رحل أخي..
ومنذ ذلك اليوم وأنا أنسى اسمي الحقيقي فأنني الآن اخت لأعظم أخ ترك الحياة هكذا أصبح التعريف بي أجمل ..
( كل ما في الأرض ما يعزي فاقد بمفقود ) بيت شعري الشهير في قصيدة خططتها بيديّ أسمعتُه والدي لأقدم له التعزية في فلذة كبده ..
أصبحت بعد موته أجيد الكتابة كثيرًا والشعر أكثر فأحزاني نسجت بي هجائية لا تنطفئ..
ترك لنا توأمه ، الذي كان يكبره بخمس دقايق فقط فقد كان لفقيدي توأمٌ
أنظر إليه في كل يوم ونيران الفقد تشتعل بصدري ، ترك رائحتُه على صدري وفِي كنفي وفِي جميع زوايا البيت ..
الأموات لا يموتون إلا عند الغرباء أما عند أهاليهم فإنهم يزدادون حياة يومًا بعد يوم ..
منذ ذلك اليوم وأنا أدعو الله أن لا يريني مُر الفقد مرة أخرى ، ولازلتُ أدعو الله أن يهبني السلوان في فقده ففي كل يوم أفقده فقدًا جديدًا وكأن العزاء به يبدأ في ساعته الأولى ..
سنلتقي يا مُلهمي سنلتقي يا أعظم أخوتيّ سنلتقيّ يا حبيبي .
رُبما في اليوم الثامن في الشهر الثالث عشر في الساعة الخامسة والعشرين حيث المستحيل في الدنيا ..
لكننا سنلتقي
عند مليكٍ مقتدر سنلتقي أيها البطل الشهيد ..
سنلتقي لا محال ..

0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟