"نحن الوطن
إن لم يكن بنا كريماً آمناً
و لم يكن محترماً
و لم يكن حراً
فلا عشنا.. ولا عاش الوطن"
أحمد مطر
في الشعر العربي يهجو الشاعر الوطن، الأمة، الحاكم، الأوضاع، التيارات. في السابق كان الشاعر يقترب من الحاكم لتعديل أوضاعه المادية والتلذذ ببلاط القصر، وعندما ينبذه الحاكم ينقلب المديح إلى هجاء تتغنى به الشعوب، وعلى سبيل المثال: أحمد بن الحسين (المتنبي) الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بسيف الدولة الحمداني (علي بن أبي الهيجاء) ولكن غلب على هذه المحبة الوشاة الذين أكادوا للمتنبي حتى تبينت صدمته بعدم دفاع سيف الدولة عنه ثم غادر قائلاً:
"وَاحَرّ قَلْباهُ ممّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ
وَمَنْ بجِسْمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ"
إلى:
"يا أعْدَلَ النَّاسِ إلّا في مُعَامَلَتي
فِيكَ الْخِصامُ وَأنْتَ الخَصْمُ وَالحَكَمُ"
وهنا يصف المتنبي استثناء سيف الدولة له من العدل، وبأنه يهتم بالآخرين من الشعراء بدلاً منه وكأنه يحجب عنه الود.
وعندما آثر الرحيل بعد الصدود قال:
"إِذَا تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا
أَلَّا تُفَارِقَهُمْ فَالَّراحِلونَ هُمُ"
وفي كتاب (جماليات الأدب العربي) لمرسل العجمي:
"وزَّع قصيدته على محورين رئيسين؛ أولهما: عتاب سيف الدولة، عتاباً يكشف عن محبة وإحباط من جراء التجاهل والصدود. والثاني: الفخر بالذات الشعرية الشاعرة أمام الأمير والشعراء والحاسدين رداً على ذلك التجاهل والصدود." ص١٣٣
ولا ننسى قصيدة هجاء الإخشيدي للمتنبي عندما غادر مصر وقال:
"ما كُنْتُ أحسبُني أحيا إلى زمنٍ
يُسيئُ بي فيهِ كلبٌ وهُوَ محمودُ"
ولم يقف المتنبي عند الإخشيدي فقط بل شمل بهجائه المدينة (مصر) وقال:
"نامتْ نواطيرُ مصرٍ عن ثعالبِها
فقدْ بشِمْنَ وما تفنى العناقيدُ"
حتى وصل به الهجاء إلى أهل المدينة قائلاً:
"إني نزلْتُ بكذابينَ ضيفُهُمُ
عن القِرَى وعن الترحالِ محدودُ"
"مضى زمن كانت المدن العربية
فيه ثغوراً
لقد جاءنا زمن المدن المصرفية"
وعند الكثير من الشعراء الحداثيين هجاء لاذع عن المدن والدول القامعة التي لا تعترف بمسمى (الحرية) كبدر شاكر السياب، أدونيس، صلاح عبد الصبور، عبد الوهاب البياتي، أحمد مطر، محمد الماغوط والعديد منهم.
ذم أدونيس بيروت في مقالاته وشعره، حتى انتقده بول شاوول في جريدة المستقبل وقال:
"كيف اختزن أدونيس هذا الحقد الباطني كله.. لم أصدق للوهلة الأولى ثم تداركت وقلت لماذا أتفاجأ فتاريخ هذا الرجل شريط طويل منالتنكر"
وصف بيروت قائلاً:
"مشهد لا مدينة. كأن الطبيعة في بيروت ليست طبيعية، وما في بيروت من نظافة ونمو وخدمات إنما هو تابع للطائفة أو الجماعة"
عند ضياع كرامة العرب وهيبتهم أمام الأمم الأخرى قال أدونيس:
"في مقلب القمامة
رأيت جثة لها ملامح الأعراب
تجمعت من حولها النسور والذئاب
وفوقها علامة تقول
هذه الجثة كانت تسمى كرامة"
في صورة أخرى قال محمد الماغوط:
"لاشيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء"
وهنا يشرح بأن أكثر الأشياء التصاقاً بالأرض هو الحذاء وليست الأنفس.
قصيدة "الطريق إلى السيدة" للشاعر أحمد حجازي عن القاهرة:
"أنا هنا لا شيءَ، كالموتى، كرؤيا عابرة ْ
أجرّ ساقي المجهدة ْ
للسيدة ْ
للسيدةْ"
وهنا يكمن إحساس الغربة في هذه المدينة التي تجعله لا يرى سوى نفس ميتة.
لا نقف عند الشعر فقط بل ابن خلدون في مقدمته وصف العرب بأنهم:
"العرب إذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب"
وعلل ذلك بأنهم أمة وحشية ووصفهم بالسذاجة والجهل والغلظة.
كما وصف علي الوردي العرب بأنهم متأخرين عن الحضارة في كتابه (وعاظ السلاطين) وقد وصف التعليم في البلدان العربية بأنها تعظم الطغاة.
تهجم الكثير من النقاد والكتاب والشعراء على العرب بنقد لاذع وشديد القسوة، كعبد الله القصيمي حين انتقد التعليم، وحاضر العرب وماضيهم، وفي كتابه قال:
"العرب ظاهرة صوتية"
لهجاء العرب عوامل عديدة أبرزها:
ضياع فلسطين
حين قال مظفر النواب "القدس عروس عروبتكم" وذم المتخاذلين في القضية الفلسطينية، ووصفهم بأقسى وصف، حتى منع من دخول الدول العربية وهنا اغتيلت الحرية!
لم يتوقف النواب عند القدس، ولم يحاولوا تكميم أفواه الحق، بل استمر في نقد الحكام العرب وشتمهم في قصائده: "قمم" وغيرها التي سلط بها الضوء على معاناة من يعيش في البقعة العربية. كان النقد الأكبر والأكثر انتشاراً في الدول العربية هو نقد نزار قباني في قصيدته "السمفونية الجنوبية الخامسة" وصف في هذه القصيدة العرب بأنهم "الدجاج، الأمة المفككة" والعديد من الصفات. في قصيدة أخرى"متى يعلنون وفاة العرب؟" كان نزار يسخر من العرب ويتمنى موتهم. (سأخون وطني) للماغوط يجمع بين مرارة الهزائم وغضب العاجز، وشرح ما يعانيه الإنسان العربي في ظل هذه الحكومات حتى قال في هذا الكتاب:
"ما من جريمة كاملة في هذا العصر سوى أن يولد الإنسان عربياً"
الكتاب يشرح الكوميديا السوداء، وسخرية مبكية على الحال الذي وصل إليه العرب تحت ظل الخوف والقمع والموت والرصاص والحرب.
وأخيراً في رواية (حديقة النبي) لجبران خليل جبران:
"ما أوْلاكم أن تَرثْوا لأمّة زاخرة النفوس بالمعتقدات خاويتها من الإيمان. وما أوْلاكم أن تَرثْوا لأمّة تلبسُ أرديةً لا تَنْسِجُها، وتأكل خبزاً لاتحصدُه، وتشرب نبيذاً لا يسيل من معاصرها. وما أوْلاكم أن تَرثْوا لأمّة تهتفُ للباغي هُتافَها للبطل، ويُبْهرها الغازي فتعدُّه الوهّاب الجواد. وما أوْلاكم أن تَرثْوا لأمّة تستنكف اصطخاب العاطفة في أحلامها، وتستسلم لها في يقظتها. وما أوْلاكم أن تَرثْوا لأمّة لا ترفع صوتَها إلاّ حينتشيّع مَيْتا، ولا تتفاخر إلا بأطلالها ولا تثورُ إلا عندما ترى رقابَها بين السّيف والنَّطع. وما أوْلاكم أن تَرثْوا لأمّة وليُّها ثعلب ماكر، وحكيمُها مُشعوذ، وفنُّها فن بُنىّ على الترقيع والمحاكاة. وما أوْلاكم أن تَرثْوا لأمّة تستقبلُ حاكمها الجديد بالطّبل والزَّمْر وتُشيِّعه بالنكير والصفير، لتعودَ فتستقبلُ الخَلَف بما استقبلت به السَّلف. وما أوْلاكم أن تَرثْوا لأمّة قد عقدت السّنون ألسنةَ حكمائها، وخلّفت ذوي البأس من رجالها في مِهادهم. ثمّ ما أوْلاكم أن تَرثْوا لأمّة تفرّقت أحزاباً، وظن كلُّ حزب أنه أُمة"
0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟