يؤلمك في الحياة كثير، لكن حين تؤلمك فكرة تتعب وتُنهك، وقد تدمع عينك، والدمعة استجارة القلب حين يعجز أن يفيض، ولو فاض لا يدري في أي مجرى يصبّ عجزه و وجعه.

فتَفقِد نَفسك مؤازرة قلبك، ترجوه استكانة ويرجوها ابتعاد، لكن كيف يستكين؟، إن في الحياة أناساً هم كما هم، يمسكون قلبك عصراً، كأنما يمسكون عدوهم الذي يكرهون، لا تصلح فكرهم كلمة، ولا يرضون عن حياتك إلا بإذنهم، فخلّ نفسك منهم، واغنم ذاتك ثم انظرها من شمم، واستعلِ، ولا تبحث عنهم، ولا تسألهم، ولا تقترب منهم إلا لحاجة، وأرح قلبك الجريح من ضجتهم.

قد يأتيك أحدهم يسألك بلا ضرورة، يخرج سؤاله من فِيه كسكين همُّ صاحبها أن تذبح، قولوا لي ألا ينحر قول وأحدهم: لِمَ لم تغتن؟، لِمَ لم تجن قوت عمل؟، لِمَ لَم تتزوج؟، أليست هذه سكاكين لفظية همها أن تنسيك وجه السعادة الساطع في عينك؟
إلى أولئك المنشغلين بحياة غيرهم الذين لا هم لهم إلا فتح أعينهم على مغاليق الآخرين، إلى أولئك المبتعدين عن أنفسهم ولذائذ معيشتهم، إلى الناسين لحياتهم، فطاب لهم نسيانهم، إني أسألكم ماذا يهمكم في حياتنا وشؤون دنيانا؟، أهطلت علينا أموال قارون أم لم تهطل؟، أتمتعنا بعمل أم بتنا بلا عمل؟، ألبسنا أفخر ملبس أم اكتفينا بأثوابنا؟، أتزوجنا إنسانًا كالزهرة أم لم نتزوج؟، أوُلدت لنا بنات وبنون أم لم تولد؟، أتوسدنا ديباجاً أم لم نتوسد؟ أكان في بيتنا تلفاز أم لم يكن؟، أطَعِم من أكلنا الجيران أم لم يطعموا؟، ماذا تريدون أن تعرفوا أيضاً؟، هل نسرد لكم أيامنا وليالينا؟، ثم نسرد لكم تاريخ بني أميّة إن عشناه، أم تفضّلون أن نعيش لكم تاريخ السلاجقة بالتفاصيل؟، هل الحياة عندكم كلها أسئلة؟، لسنا كتباً مفتوحة حتى تقرأوها، و لو فتحتموها لن تفحلوا القراءة، كتبنا خاصة بنا... فهمتم ذلك أم لم تفهموه.

رأيت منكم أنكم تطلقون على مضض أفواهكم، تشتهون جواباً لا يعنيكم، صدقوني... في معنى الحياة ما هو أكبر من استفهاماتكم، متى تنتهون؟، يا عمّي ...متى تسكتون؟، لِمَ هذا ديدنكم ؟ متى تخمد تلك الشهوة فيكم؟، طالت أنوفكم في دواخلنا، فهل استمتعتم؟، ثم هل قُضيت شهوتكم؟، أتحاسبوننا؟، هل نقف أمام قضاء محاكمكم؟، قولوا لي ما الذي يزعجكم منا؟، لِمَ تؤرّقكم أحوالنا؟، ما همّكم في ذلك كلّه؟... الثرثرة؟، هل تنقصكم أحاديثٌ لتحدثوها؟، اشكوا لنا حتى ندفع شكواكم بنصيحة، واهاً للقراءة التي تنفعكم، وعنّا تشغلكم، ثم تزينون فيها كلامكم، ثم ماذا عن أوجاعكم القلبية؟، لِمَ لا تفكرون بآلامكم؟، أتنسونها باستفزاز غيركم؟، ماذا عليكم لو سكتم؟، وماذا علينا لو لم نجبكم؟، ولو أجبناكم... هل إجاباتنا تمتعكم؟، أم علينا بعد الإجابة أن نسترضيكم؟، أجيبونا... هاتوا ما عندكم... أي بلاهةٍ عن أنفسكم تصرفكم؟، ومنكم تأخذكم، واقلبي... كم أشفق عليكم!، فاصمتوا ولا تسألونا، ويكأنكم لا تتألمون حين تسألون كما نتألم حين نتجرع هم الإجابة، لو كان كذلك لكففتم وكففنا، وسلمتم وسلمنا، لكن هيهات... هيهات شهوتكم تأخذكم، وفراغكم يحاصركم، ونحن بين الأخذ والحصار نُمزّق، اتركونا وشأننا، خلّونا وأنفسنا، دعونا نعيش بطيب قلبٍ وسلام، دعونا نكون لأنفسنا سعداء، أم أنكم تضنّون علينا بسعادة الرضا ولذة القناعة؟، يا عمّي... فقعتم كُبودنا، ومرّرتم مرائرنا، أُفّ ثم كفانا وكفاكم.

كتبت تسنيم الملّوحي