قال النبي صلى الله عليه وسلم :( إن الله يحب مكارم الأخلاق ويكره سفسافها). وأن محبة المرء المكارم من الأخلاق وكراهته سفسافها هو نفس العقل.
فالعقل به يكون الحظ، ويؤنس الغربة، وينفي الفاقة، ولا مال أفضل منه، ولا يتم دين أحد حتى يتم عقله.
والعاقل: اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب،  والعلم باجتناب الخطأ، فإذا كان المرء في أول درجته يسمى أديبًا، ثم أريبًا، ثم لبيبًا، ثم عاقلًا، كما أن الرجل إذا دخل في أول حد الدهاء قيل له: شيطان، فإذا عتا في الطغيان قيل: مارد، فإذا زاد على ذلك قيل: عبقري، فإذا جمع إلى خبثه شدة شر قيل: عفريت وكذلك الجاهل يقال له في أول درجته: المائق ثم الرقيع، ثم الأنوك، ثم الأحمق. 
وأفضل مواهب الله لعباده العقل ولقد أحسن الذي يقول: 

وَأَفضَلُ قَسمِ اللَهِ لِلمَرءِ عَقلُهُ
                          فَلَيسَ مِن الخَيراتِ شِيءٌ يُقارِبُه
إِذا أَكمَلَ الرَحمَنُ لِلمَرءِ عَقلَهُ
                          فَقَد كُمُلَت أَخلاقُهُ وَمآرِبُه
يَعيشُ الفَتى في الناسِ بِالعَقلِ إِنَّهُ
                            عَلى العَقلِ يِجري عَلمُهُ وَتَجارِبُه
يَزينُ الفَتى في الناسِ جَوْدةُ عَقلِهِ
                              وَإِن كانَ مَحظوراً عَلَيهِ مَكاسِبُه

قال أبو حاتم: العقل دواء القلوب، ومطية المجتهدين، وبذرة حراثة الآخرة، وتاج المؤمن في الدنيا، و عدته في وقوع النوائب، ومن عدم العقل لم يزده السلطان عزًا، ولا المال يرفعه قدرًا، و لا عقل لمن أغفله عن أخراه ما يجد من لذة دنياه، فكما أن أشد الزمانة الجهل، كذلك أشد الفاقة عدم العقل. 
والعقل والهوى متعاديان، فالواجب على المرء: أن يكون لرأيه مسعفًا و لهواه مسوفًا. فإذا اشتبه عليه أمران اجتنب أقربهما من هواه؛ لأن في مجانبته الهوى إصلاح  السرائر، وبالعقل تصلح الضمائر. 

والعاقل يحسم الداء قبل أن يبتلى به، و يدفع الأمر قبل أن يقع فيه، فإذا وقع فيه رضي وصبر، والعاقل لا يخيف أحدًا أبدًا ما استطاع، ولا يقيم على خوف وهو يجد منه مذهبًا، وإذا خاف على نفسه الهوان طابت نفسه 
عما يملك من الطارف والتالد، مع لزوم العفاف، إذ هو قطب شُعَب العقل. 
قال أبو حاتم: من حسن عقله وقبح وجهه فقد أفقد فضائل نفسه قبائح وجهه، ومن حسن وجهه وقل عقله فقد أذهب محاسن وجهه نقائص نفسه، فلا يجب للعاقل أن يغتم إذا كان معدومًا، لأن العاقل قد يرجى له الغنى ولا يوثق للجاهل المكثر ببقاء ماله، ومال العاقل عقله وما قدم من صالح عمله. 
العاقل لا يخفى عليه عيب نفسه؛ لأن من خفي عليه عيب نفسه خفيت عليه محاسن غيره، وإن من أشد العقوبة للمرء أن يخفى عليه عيبه؛ لأنه ليس بمقلع عن عيبه من لم يعرفه، وليس بنائل محاسن الناس من لم يعرفها، وما أنفع التجارب للمبتدي. 

والواجب على العاقل أن يتجنب أشياء ثلاثة، فإنها أسرع في إفساد العقل من النار في يبيس العوسج: الاستغراق في الضحك، وكثرة التمني، وسوء التثبت؛ لأن العاقل لا يتكلف ما لا يطيق، ولا يسعى إلا لما يدرك، ولا يعد إلا بما يقدر عليه، ولا ينفق إلا بقدر ما يستفيد، ولا يطلب من الجزاء إلا بقدر ما عنده من الغناء، ولا يفرح بما نال إلا بما أجدى عليه نفعه منه. 

وآفة العقل العجب، بل على العاقل أن يوطن نفسه على الصبر على جار السوء، وعشير السوء، وجليس السوء، فإن ذلك مما لا يخطيه على ممر الأيام. 
وقال شعبة بن الحجاج: " عقولنا قليلة، فإذا جلسنا مع من هو أقل عقلًا منا ذهب ذلك القليل، وإني لأرى الرجل يجلس مع من هو أقل عقلًا منه فأمقته
والواجب على العاقل: أن يكون حسن السمت طويل الصمت، فإن ذلك من أخلاق الأنبياء، كما أن سوء السمت وترك الصمت من شيم الأشقياء. 
ولو كان للعقل أبوان لكان أحدهما الصبر، والآخر التثبت. 

جعلنا الله ممن رُكَّبَ فيه حسن وجود العقل، فسلك بتمام النعم مسلك الخصال التي تقربه إلى ربه، في داري الأمد والأبد؟ إنه الفعّال لما يريد. 
أن ما تمت قراءته و سبق ذكره مختصر من باب ذكر الحث على لزوم العقل من كتاب (روضة العقلاء ونزهة الفضلاء) لأبي حاتم البستي -رحمه الله-. 

كتبت أزهار الخثعمي