عندما نقول (قائد) يتخيل الكثير من الناس القادة السياسيين أو العسكريين أو القادة التاريخيين الذين غيروا في مسار حياة دولهم وشعوبهم، أو القادة الاقتصاديين الناجحين. كل هؤلاء قادة تضافرت صفاتهم الوراثية مع بيئتهم، بالإضافة لجهودهم الكبيرة لتطوير أنفسهم ومهاراتهم وقدراتهم ، فكانوا قادة استثنائيين غيروا مجرى مجتمعاتهم وشعوبهم. ولكن مفهوم القيادة اليوم أوسع من ذلك .
فكل من يستطيع تحسين حياة الناس من حوله هو قائد ، ومن يستطيع أن يخدم الناس ويسعد الناس ، هو أيضاً قائد، وقائد أيضاً من يستطيع أن يبدع ويبتكر ويغير ولو شيئاً بسيطاً من حوله .وقائد أيضاً من يتميز في صنعته أو فنّه أو موهبته أو وظيفته .كل هؤلاء قادة ،وكل واحد منا يولد وفي نفسه بذرة من هذه الصفات يستطيع أن ينميها ويطورها ويتقدم في طريق القيادة شيئاً فشيئا حًتى يصبح قائداً عظيماً .
يقول النبي عليه السلام (سيد القوم خادمهم ) أي: أن قائد الجماعة هو من يقوم على خدمتهم ،مما يعني أن يكون القائد ساعياً في خدمة الآخرين ومساعدتهم للسير نحو الأمام .
حديثنا اليوم عن القيادة ومبدأ بيتر, يقول هذا المبدأ إن كل شخص في هيكل تنظيمي يتجه للارتقاء حتى يصل مستوى انعدام الكفاءة في العمل . أي أن الشخص يبدأ من الموقع الذي يتناسب مع مؤهلاته وكفاءته ثم يتدرج في السلم الوظيفي بحكم الاقدمية وبالترقية إلى موقع لا يملك فيه المؤهل للقيام بالعمل المُناط به .وأن هذا الموضوع ينطبق في نهاية الامر على جميع العاملين في الهيكل التنظيمي.
وقد بحث البروفيسور الكندي بيتر للإجابة على سؤال :
لماذا يحتل أشخاص غير مؤهلين الكثير من الوظائف المهمة ؟
فمثلاً معلم رياضيات مبدع في تخصصه, يدرِّس التلاميذ بطريقة إبداعية؛ تمت ترقيته إلى مدير مدرسة مما يعني أن يتطلب منه العمل الإداري الجديد مقابلة العديد من الأشخاص وإدارة وقيادة أكثر من 300 طالب و25 معلم, هنا وجد نفسه في مأزق, رغم حسن أدائه قبل ذلك .
لأنه لا يملك الإمكانيات التي تؤهله لاتخاذ قرارات فعالة بثقة واستقلالية، فهو يجيد أن يكون الشخص الثاني أو الثالث إلا أنه أضعف من أن يكون المسؤول الأول .
وهذا الفشل لا يرتبط بعجز أو عدم كفاءة الموظف، وإنما يعود إلى حاجة المنصب الجديد إلى مهارات وقدرات لا يمتلكها الموظف، لأن المنصب الجديد يختلف كلياً عن الذي حقق فيه الموظف نجاحاً من قبل؛ وبالتالي فإنه يتطلب مهارات عمل جديدة ومختلفة نوًعا ما عما يملكه الموظف .
يرى مبدأ بيتر أنه في حالات كثيرة يثبت الشخص مهارته المعرفية في مستوى وظيفي معين، ولكنه يثبت أيضاً عدم الكفاءة عندما تتعقد المشكلات فيكثر تواتر المفاجآت ويقل استقرار الأولويات، إذن ليس كل موهوب قائدٌ ناجح، ومع ذلك فإن الكثير من المنظمات التي تتبنى إطار عمل "تطوَّر أو غادِر " تفشل في إدراك هذه الحقيقة، وعليه يجب إيجاد طريقة لجعلهم يؤدون أفضل أعمالهم .
وما يحدث اليوم باعتبار كل موظف مميز ومبدع يحصل على ترقية إلى أن يكون في منصب قيادي ثم يفشل في قيادة المكان سياسة خاطئة !
والسؤال الآن: هل من طريقة نتجنب بها عدم حدوث مبدأ بيتر؟
لماذا لا يتم ترشيح الشخص القيادي أيَّاً كان عمله حتى لو كان موظف الاستقبال ونجعله قائد المنظمة ؟!
في بعض الأحيان يستاء القائد قليل الكفاءة من مرؤوسية الموهوبين ويحجب عنهم الإرشاد والتوجيه، ولهذا يجب أن يتدخل القائد الأعلى في حال اكتشاف وجود أحد هؤلاء الموهوبين ممن يعمل تحت إشراف مدير غير جيد يعيق تطويره وترقيته.
فقد جعل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي مستشاراً عسكرياً بعد مواقفه القيادية في العديد من المعارك، وقد كان النبي نعم القائد والقدوة للجماعة الإسلامية التي آمنت برسالته وتمسكت بدعوته
وضحَّت بأنفسها وأموالها في سبيل نشر الدعوة، ولقد كانت قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم - في تعيين الولاة - في غاية الدقة؛ حيث يختارهم من الأشخاص الذين يتمتعون بالخلق القويم وسعة العلم، وعلى درجة من الكفاءة و الجدارة ، قال تعالى :(وأمرهم شورى بينهم) ولقد طبق الرسول- صلى الله عليه وسلم -هذا المبدأ في إدارته وقيادته للمسلمين، حيث كان يقوم باستشارة أصحابه من أهل الرأي والبصيرة .
فالقيادة عملية تتميز بفعالية مستمرة وتعبر عن علاقة شخص بآخر، وهي العلاقة بين الرئيس والمرؤوس ومن خلال هذه العملية يمكن للرئيس أن يؤثر على سلوك الأفراد تأثيراً مباشراً كما أن المرؤوس يقوم بتقديم المعلومات المطلوبة للرئيس والتي يعتمد عليها في اتخاذ القرارات لذلك نجد أن هناك ديناميكية في عملية القيادة وتعود تلك الديناميكية بسبب التغيرات المستمرة في المشروع والبيئة المحيطة والتي تتطلب مواجهتها من خلال تغيير الخطط والسياسات الموضوعة بالإضافة إلى المتغيرات في طبيعة العنصر الإنساني والتي تتطلب مواجهة هذه التغيرات إذا ما أراد أن يكون قائداً ناجحاً وفعالاً.
ولابد أن يتصف القيادي بالعديد من الأمور من أهمها:
(الحكمـة)، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان: 12]. وقال: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 54]. وقال: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269].
والحكمـة في أصل معناها ترجع إلى المنع طلبًا للإصلاح، فالحكيم هو الذي يصرف نفسه عن هواها، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه. وهي بهذا التعريف تشتمل على العلم والعمل ومعرفة الحق وعمل الخير، وهي لون في الفطنة تنتهي بصاحبها إلى الرأي السديد، فلا يغلب القائد الحقد والحسد، ولا تستفزه غيرة في رءوس تظهر حوله. أما القادة المحترفون للتهريج, المغتصبون لمراكز القيادة، فإنهم لا يفكرون إلا في أنفسهم يشغلهم مديح الناس، وتلهيهم تسويـة المعاشات. لا تلتمس هذه الحكمة عند أصحاب التفاصح في البيان ولأصحاب التنظير والتأمل المجرد، ولكنها تلتمس عند الذين يمارسون عملية تزكية الأنفس، وتزكية الآخرين.. تأتي الحكمـة في الخارطات الصحيحة المصاحبـة للمبادئ السليمة والتي تريهم الوجهة التي يريدون. ومن صفات القائد (الثقة المطلقة) بما يدعون إليه، لا يساورهم شك في أهدافهم التي يسعون إليها قلوبهم مطمئنة، فكل صعب عند الناس هو عندهم هيِّن يجابه أحدهم المخالفين ولو كانوا كثرة كاثرة، لا يشك أحدهم طرفة عين أنه وأتباعه منصورون -بإذن الله- {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].
و(الشجاعة)وهي من أعظم ميزات القائد، سواء في ذلك الشجاعة المعنوية أم المادية، وقد جاء في الحديث (شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع). ومن أعظم الشجاعة أن تجابه الجموع إذا كانت تعتقد أنك على حق، وقد جابه موسى فرعون وقومه وهو وحيد ليس معه إلا أخوه هارون، وجابه الرسول قومه وهو وحيد فريد في قلة قليلة من أصحابه، وإن قرارًا شجاعًا في اللحظات الحرجة يبطل قلق المترددين وحدة الحائرين، ويأتي بالنتائج المرجوة بإذن الله.
والفطنة والذكاء: بهذه الصفة يكون الإنقاذ في المواقف الحرجة، والتخلص من المباغتات الطارئة، والتدبير للمواقف الشديدة؛ ففي مجادلة إبراهيم لعدو الله وعدوه، قال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258].
وعندما أراد يوسف استخلاص أخيه وضع الوعاء في متاعه، ولكن بدأ بتفتيش إخوته {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76]. وعندما اختار الله لبني إسرائيل ملكًا يقاتلون معه عدوهم، اختبرهم بأن لا يشربوا من النهر إلا غرفة؛ حتى يصفو له الذين يقاتلون في سبيـل الله، وحتى يأتي النصر من عند الله. وفي قصة سيدنا سليمان ذهب ذات يوم مع أبيه إلى دار القضاء فدخل اثنان من الرجال. أحدهم كان صاحب أرض فيها زرع ،والآخر كان راعياً للغنم ،وذلك للفصل في قضيتهما ،فقال صاحب الأرض :إن هذا الرجل له غنم ترعي فدخلت أرضي ليلاً ، وأفسدت ما فيها من زرع ،فاحكم بيننا بالعدل ،ولم يحكم داود في هذه القضية حتى سمع حجة الآخر ،عندها تأكد من صدق ماقاله صاحب الأرض فحكم له بأن يأخذ الغنم مقابل الخسائر التي لحقت بحديقته ،لكن سليمان (عليه الصلاة والسلام )رغم صغر عمره ،كان له حكم آخر ،فاستأذن من أبية أن يعرضه ،فأذن له ،فحكم سليمان بأن يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها ،ويأخذ صاحب الأرض الغنم لينتفع بها ،فإذا ما انتهى صاحب الغنم من إصلاح الأرض أخذ غنمة ،وأخذ صاحب الحديقة حديقته .
وكان هذا هو الحكم الصحيح والرأي الأفضل، فوافقوا على ذلك الحكم وقبلوه بارتياح، وأعجب دواد بفهم ابنه سليمان مع كونه صغيراً، ووافق على حكم ابنه وحكى الله ذلك في القرآن الكريم .ختاماً : يحتوي القرآن على حلول ناجعه حول نظرية بيتر ونماذج لقصص واقعية نستطيع من خلالها استنباط مبادئ وصفات القيادة الناجحة من أهمها ان القيادة سمة شخصية ينبغي أن تتوفر في الشخص القائد قبل أن تكون علما يدرس أو تمرينات يمكن التدريب عليها وإتقانها .
المراجع:
1- السبيعي، إبراهيم ،عبدالله ، .(القيادة 101) -مركز إياس المعهد العلمي -مؤسسة محمد وعبدالله إبراهيم السبيعي الخيرية
2- بودكاست القيادة رواية آخرى د. صالح المحيميد
3-الخليفي ،فوزية بنت صالح ،(2014م)-الصفات القيادية الناجحة في القرآن الكريم -،كلية أصول الدين والدعوة
https://albuthi.com/blog/692-4
https://22arabi.com/%D9%85%D8%A8%D8%AF%D8%A3-5
كتبت أ. نورة علي الشهري
0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟