يطيب للحروف أن تنثر حبًّا ساميًا بلا وقوف، فقد اصطفت كجيشٍ يسير بعزة شموخ، وهمة لا تأبى الرضوخ، تنأى عن ظل طريقها عاصفةً بهشيمٍ واهن، ونظمٍ هشٍّ ضنين، وتغزو الأرض كشآبيب حبٍّ ترقى بهوية اللغة العربية عالي الصروح، وتسمو بفكرها سماء الابتكار الطموح، وتعدو نحو سنين الإشراق لمستقبل جسور، تشكّل به أسبقيتها نحو الجمال، وبقاؤها ببقاء دين الإسلام، وتسمو بهيبة حضارتها فوق كل موجٍ عاتٍ، وتقيم لغيرها مسرح النأي عن مخالطة الهوية والموروث والأثر.
لذا، امتاحت اللغة من واحة العطاء سامي القدر، وجليل الأثر، فهي التي تدعم دارسها بفيض علمٍ نضر، وقارئها بنسائم الفخر، وكاتبها بسمو القدر، وناظمها بفيض الخيال وخلود الجمال. لذلك، صنعت لنفسها قواعد راسخة البيان، لتعيش في دائرة الرسوخ المتنامي، وتدافع عن كل صدودٍ باحتواء موروثها لأدواتها وأصواتها واشتقاقاتها ومترادفاتها، لتصبح جاهزة لكل موجة تطور، كلما هبت عليها عواصف التغيير نحو النمو التقني والغوص في عالم الابتكار الرقمي (الذكاء الاصطناعي)، ولكن بالسيطرة على الهوية الخاصة بها التي تحميها من ترّهات الطمس والتضليل والتشويه. فقد اكتست بملامح العطاء المتنامي، موج البحر الطامي فكرًا، ونتاجًا، وقيمًا، وموروثًا.
ولأجل تعزيز مكانة اللغة العربية إقليميًا ودوليًا، عكفت المملكة العربية السعودية على الحفاظ على اللغة العربية هويةً للبقاء، وسهمًا في إضاءة المستقبل بذكاء، وذلك بإطلاق مركز ذكاء العربية لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي للمشاركة في الثورة المعلوماتية. فعملت على تطوير استراتيجياتها، ومعالجة ما تمتلكه اللغة من مصادر لغوية، وتأهيل الكفاءات لتوطين المعرفة، والمعالجة الآلية للغة العربية، بالعمل على تطوير تطبيقات، وعقد استراتيجيات بمعايير عالمية؛ لتحقيق أهداف تحقق الريادة عالميًا.
وفي هذا السياق، توظّف الطاقات في هذا المركز من خلال خمسة معامل، وهي:
- معمل الذكاء الاصطناعي، الذي تُجرى فيه الأبحاث لخدمة اللغة العربية والوصول بها إلى مستويات رقمية عالمية.
- معمل تهيئة البيانات، الذي تُجمع فيه بيانات مكتوبة، وصوتية، ومرئية لمعالجتها وضمان جودتها.
- معمل الصوتيات والمرئيات، لتسجيل البيانات الصوتية والمرئية، ومعالجتها، وحفظها، وتصنيفها.
- معمل الواقع الافتراضي والواقع المعزز، لتطوير البرمجيات العربية.
- معمل الباحثين، المخصص للباحثين في كل مجال لإجراء الأبحاث لحوسبة العربية.
وتأتي هذه الفكرة في خدمة تطوير احتياجات الباحثين، بما يضمن الحفاظ على الموروث العربي والثقافي، بتطوير تطبيقات تسمو باللغة نحو مصاف العالم بكل اقتدار، يحميها من عواصف الاندثار، في إطار تحقيق مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية للاستثمار في خدمة اللغة العربية للمعالجة الآلية، وتأكيد دوره الاستراتيجي في مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية، أحد برامج رؤية السعودية 2030.
وبالرغم من ذلك، فقد تواجه صعوبة تحدي رقمنة اللغة العربية، فهي لغة دقيقة في أدواتها ومحتواها، وتوليد ألفاظها باشتقاقات عديدة. فلا يمكن حصرها في تطبيقات رقمية لثراء معجمها، وكثرة أوزانها، وتعدد مترادفاتها، وتنوع مخارج أصواتها، واختلاف الخطوط، وتنوع اللهجات.
كتبت حصة التويم
0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟