في ذات يومٍ، كباقي الأيام المُزهرة، كنتُ جالسةً أتأمل رسوخَ وشموخَ الأشجار، عاليةً بتفاصيلها الدقيقة والرقيقة، وتفرّعاتها الجذّابة، من جذورها وحتى أوراقها النديّة المُخضرة، كأنها مرسومة بفرشاةٍ على الورقِ. كنتُ أرتشف قهوتي المفضلة، مُحلّقةً بجمالِ تلألؤ الأزهار برائحتها العطرة، وتمايلها يمينًا ويسارًا بلطف النسيم المنعش. وفي حوزتي ذلك العبق الثمين، وفي لُبّه السطور والحروف والكلمات المُخلّدة في العقلِ والقلب؛ كتابي الذي أستمتع بقراءته، وأستشعر روعة امتزاج رائحة بُن القهوة بصفحات الكتاب.
للحظة، وأنا مُنغمسة في ربوع تأملاتي ولحظاتي العذبة، إذ بصبيٍ يحلّق أمامي مع والديه، ويبدو أنه يبلغ من العمرِ ست سنوات. كان الصبي يبكي، فنظر إليه والده بحدّة، وبنبرةٍ مُرعبة، وقال: "كم عليّ أن أقول وأكرّر أن الرجل لا يبكي؟" فرفع الصبي رأسه، ناظرًا إلى والده بهدوء، ووقف مصطنعًا القوة كي لا تصيبه سهام الكلمات الناقدة التي سئم منها. امتصّ الصبي دمعته، وبلع ريقه، وفي قلبه حكاية وأسئلة، في لُبّها علامات استفهام تنتظر الإجابة.
إنني أكتب هذه المقالة بغرض التوعية. نعم، جميعنا نريد أن يكون أولادنا رجالًا أقوياء، ولكن لا بدّ من أن تكون هناك خطة تطبيق مدروسة لتحقيق نتائج إيجابية. أولًا، وقبل كل شيء، البكاء ليس عيبًا ولا انتقاصًا ولا ضعفًا، كما يعتقد البعض، فلو كان البكاء عيبًا للرجل، لما خُلق له دموع! ثانيًا، الإنسان عبارة عن جسدٍ ومشاعر، مثل الجرة التي إن ملأتها حتى امتلأت تمامًا، فإنها إما أن تفيض، أو تنكسر. والحل هو أن نملأها بقدر ما تستطيع أن تتحمله، كي يسهل علينا إغلاقها.
طريقة تعاملنا مع هذا الصبي هي التي تحدد: هل سنبني رجلًا قويًا أم لا؟ فإما أن نسقيه بلطفٍ لنُنمّيه، أو نسقيه بزيادةٍ عن الحدّ فنهدمه. نحن، في أسلوب تعاملنا معه، إما أن نساعده على النهوض بشجاعته، أو نُسقطه بسهام كلماتنا الجارحة، التي نرميها دون وعي، فتحرز هدفًا مؤذيًا في أعماقه. في بعض الأحيان، نسمع خرافات وأوهامًا متوارثة لا أصل لها من الصحة، لكن بسبب تكرارها، صدّقها الناس بلا تفكير.
رسالة إلى الآباء: لا تضغطوا على أبنائكم أو تجبروهم قسرًا على كبت مشاعرهم بحجة أنهم أولاد، ثم إن بكى أحدهم عايرتموه! بذلك، لن تنجحوا في بناء شخصية قوية، بل ستخلقون شخصية ضعيفة ومهزوزة. نعم، صحيح أنكم تريدون بناء شخصية قوية، ولكن انظروا إلى أسلوبكم في التعامل معهم: هل تأثيره إيجابي أم سلبي؟
احتووا أبناءكم، عزّزوا مميزاتهم، واتركوا لهم المجال للتعبير عن آرائهم ومشاعرهم دون قمع، كي لا يختبئوا خلف أقنعة زائفة تخنقهم وتكتم أنفاسهم. رمّموا شروخ أرواحهم، وأضيئوا مهجهم بالألوان البهيّة، والبسمة النديّة، والكلمة الطيبة. لا تغرسوا في عقولهم أن الدموع لا تنجرف من الرجل، كي لا يعتقدوا أن البكاء حرامٌ أو ضعف!
نُلاحظ أن بعض الأولاد لديهم عنفٌ زائد، وذلك نتيجة لطريقة معاملة والديهم لهم، ونتيجة الكبت والتراكمات العاطفية. الطفل بحاجة إلى ملجأ آمن يبوح فيه بمكنون قلبه، ويعبّر عن مشاعره دون خوفٍ من الجرح أو السخرية. مع التراكمات، يكبر الصبي بمشاعر جافة وتبلّد، وقد يصبح عديم الإحساس، مما يؤثر على صحته النفسية والعاطفية.
لذلك، منح الله سبحانه البكاء للإنسان، ليُخرج ما بداخله من سموم المشاعر السلبية. فانهضوا، وتيقّظوا من كهوف الجهل، وتخلّصوا من قيود الفكر المحدود، فالإنسان الطبيعي يبكي، ويشعر، ويُعبّر. وأعظم أنواع البكاء هو البكاء من خشية الله، فهي نعمة يهبها الله لمن يشاء.
كتبت أ. بشاير خالد الصفران
0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟