في حضرة " المتاهة العمياء" تتمرد اليمامةُ  على زُرقةِ  الشغف 

سيكولوجية البناء اللغوي والبلاغي في ديوان "شغف أزرق" 

قراءة وتفسير:   محمد حسني عليوة ، شاعر وكاتب ـ مصر

"إن اللغة بوصفها انفراجًا ساطعًا وكشفًا لعالمٍ هي التي تغزل ضفيرة الوجود والإنسان" كما ذكر "تيموثي كلارك" في كتابه: "التفكيك والأدب: هَيْدجر · بلانشو · دريدا"، بترجمة حسام نايل.
 
كما أن اللغة، عند "جون كوهين" هي: "كلية العمل الشعري، أو النسيج الشعري بما يشتمل عليه من مفردات لغوية وصور شعرية، ومن موسيقى"

لذلك نقول أن من خصائص فنيات قصيدة الشاعرة الكويتية أفراح مبارك الصباح: الجرعة الدلالية المكثفة التي تشكلها لغتها الخاصة المستمدة من لغة الحياة اليومية، لغة الزمان الحاضر والمكان الآني، لغة منسوجة في جملة واحدة يتعاطى معها القارئ بيسر وسلاسة، كما أنها تعطي ترميزات تختلف من متلقي لآخر؛ فتكون هناك تأويلات خاصة ومساحات أكبر لإعمال العقل عند التلقي الأدبي والبحث عما وراء تلك الجملة.. فهي التي تخطف الضحكات من الغيم، تطير بجناح طائر يغني حزنًا تملأه المنافي، وتثور كرعدٍ يلتمع بعرق التحول إلى مطرٍ صاخب يسكب الحليب والحلوى لكل أوراق الهوى المنسية في طيّات دوائر مغلقةٍ عليها.

وبالتأمل في ديوانها "شغف أزرق" الصادر عن دار الفراشة للنشر والتوزيع بطبعته الأنيقة الفاخرة من الورق المصقول؛ فسنجد أنه مشروع شعري مشتبك مع منظور البوح والتلقي، الواقع والخيال، الإنسان وذاته.. بحالة شعورية مفعمة بالتضاد والتماس، بالغناء الأبكم والصمت الصارخ. 

فقد جاءت دلالة المشروع الشعري، للشاعرة، في ثلاثة دواوين: أولها "صندوق"، ثانيها "عويل لصمت لا يُسمع"، وثالثها "شغف أزرق"؛ والذي نلمح في نصوصه محاولة متمكنة للإمساك بتجربة لا تكف عن صناعة التوازي الظاهر والمضمر لذات الشاعرة.. الذات الفاعلة في الكينونة الإبداعية والمحلقة بجناحي خيالها الطاعن في تشريح الشيء وضده، السامق في الأفق، كذلك الباعث على سبر أغوار النفس البشرية والموجودات من حولها؛ فهي تستطيع أن تكون القدوة، أو المثال الحي الجميل في هذا العالم، رغم اصطدامه مع كثير من المعوقات.

بدايةً دعونا نمر باصطلاحية العنوان، الذي جاء في مفردتين: "شغف" و "أزرق".. وهذا يمكن أن يُفسر على أنه "ديناميكية بناء لغوي" يجمع بين مفهوم "الشغف" الذي يعني الحماس الشديد أو الرغبة الكبيرة في شيء ما.. ومُعطى "اللون الأزرق" بمفهومه التكويني، الذي يرتبط في سياقات متعددة، بالسكينة، الهدوء، الثقة، والأمان.

ومن الواضح أنه عند دمج هذين المفهومين: "شغف –أزرق" يشير إلى شغف يتميز بالهدوء والاستقرار النفسي، أو شغف يتجلى في دعم أو حب شيء يرتبط بما يشعه اللون الأزرق من تفاصيل متوهجة أبدًا.

فالبناء اللغوي يُعدّ ركيزة ضالعة في تكوين الأسس الجمالية والفكرية التي تقوم عليها قصيدة الشاعرة أفراح مبارك الصباح..


 ومن ذلك البناء، نضع أيدينا على ثلاثة محاور توضح على النحو كالتالي:

1.    محور التركيز على الجماليات اللغوية: نجدها تستخدم اللغة بطريقة تجعلها تحمل إيقاعها الخاص، باستخدام التشبيهات، الاستعارات، والصور البيانية لتعزيز تلك الجماليات اللغوية.

2.    محور التعبير عن المشاعر: غالبًا ما تكون قصيدتها وسيلة للتعبير عن التجارب الشخصية والمشاعر بصدق وبدون تكلف. هذا يجعلها أكثر قرباً من القلب.

3.    محور التأمل والتفكير العميق: قبل أن تأخذ وقتاً للتأمل، تجد نصوصها تعتمد كثيرًا على العمق الفكري والشعوري، مما يتطلب منك أن تكون في حالة من التفكير العميق.

.*.

في المحور الأول (الجماليات اللغوية) نرصد نقاطًا فارقةً في ما توهجت به نصوص الديوان، فمثلًا تقول الشاعرة:

"المنافي والأغاني 

  أوطانٌ تتصدع"

فلعبارة هنا تحمل في طياتها معاني عميقة تتعلق بالهوية، الانتماء، والشعور بالغربة. يمكن تفسيرها على النحو التالي:

  • "المنافي": تشير إلى النفي أو الابتعاد عن الوطن، جسدياً أو روحياً.  
  • "الأغاني": تعتبر نافذة للتعبير عن الألم، الحنين، والمقاومة. هنا، الأغاني تمثل الذاكرة الجماعية، الحكايات، والمشاعر التي تحملها معها الشعوب في منافيها.
  • "أوطانٌ تتصدع": بما يعكس فكرة أن الأوطان، سواء كانت جغرافية أو ثقافية أو روحية، تتعرض للتصدع أو الانهيار بسبب الفراق، الحروب، النزوح، أو التغييرات والظروف الاجتماعية والسياسية.

وبذلك يمكن استنتاج أن هناك رابطًا بين الشعور بالغربة أو النفي والتعبير عن هذا الشعور من خلال الأغاني، والتي بمثابة وسيلة للتعبير عن الهوية المتصدعة. هذا النوع من التعبير يعكس كيفية تعامل الذات الشاعرة مع فقدان الوطن أو تغيّره، وكيف تظل الأغاني والفنون وسيلة للمقاومة والحفاظ على الهوية في وجه تحديات مختلفة محيطة.

وفي سياق أوسع، تشير إلى الحالة البشرية في عصر العولمة، حيث يتحرك الأفراد بين الثقافات والأوطان، مما قد يخلق شعورًا بالتشتت والبحث عن هوية ثابتة في عالم متغير باستمرار. 


 █ الاتحاد العضوي مع الكون

"إنه الأثر الذي يحتويني..

وأنا الكون الأوحد الخالي 

                  من الحياة"

الجملة تحمل في طياتها عمقًا فلسفيًا، حيث تشير إلى مفهوم الوجود والعدم، الحياة والجماد في الكون. والتطرق الى تفسيرها نمرّ بعدة طرق:

·       منها أن الوحدة الوجودية: في الفكر الصوفي، خاصة مع بن عربي، تدلل على أن كل شيء في الكون هو جزء من الوجود الواحد، وهو (الله). من هذا المنظور، "الأثر الذي يحتويني" يمكن أن يعني أن كل شيء في الكون هو جزء من الوجود الإلهي الواحد، وأن الكون نفسه، على الرغم من بدوه خاليًا من الحياة في بعض جوانبه، إلا أنه يعكس وحدة الوجود.

·       ومن الناحية الفلسفية، تشير إلى فكرة أن الكون في جوهره قد يكون خاليًا من معنى محدد، وهذا يترك مساحة للإنسان لاستكشاف ما وراء الظاهر، وتستدعي البحث عن الحقيقة أو الاتصال بالخالق في سياق كون يبدو أحيانًا خاليًا من الحياة أو المعنى.

- من زاوية أخرى، قد تشير العبارة إلى شعور الوحدة أو العزلة الذي يشعر به الإنسان في هذا الكون الواسع. هذا يمكن أن يكون تعبيرًا عن البحث عن معنى أو اتصال في كون يبدو أحيانًا باردًا وغير مبالٍ.

أما في جوهرها البلاغي، تدعو إلى تأمل عميق في طبيعة الوجود، الحياة، والكون، الفقد وحرية الانعتاق.. التفاصيل المنسية، الحرية المستبعدة، وكيفية تعامل الإنسان مع هذه المفاهيم الكبرى، وهذا ما أسست عليه –الشاعرة- جملتها الشعرية.  


  █ قلب المنارة التائه 

"في أبعدِ تلّةٍ 

أرملةٌ تُعدّ قهوتها"

وهنا نلمس، بنظرة فاحصة دقيقة، من أن الجملة الشعرية تحمل في طياتها جمالية خاصة وصورة مؤثرة.. تصور لنا المشهد الهادئ لأرملة تُعدّ قهوتها على تلّة نائية، تلك "الأرملة" قلبها "منارةٌ لمراكبِ الحيرةِ والتيهِ"، وحيث "يستنشق الشوقُ رياحَ جزيرةٍ نائيةْ"، مما يوحي بالوحدة والسكينة والعزلة. وهي تدعو المتلقي للتأمل في حياتها، في طقوسها اليومية البسيطة والتي تحمل كثيرًا من الحكايات والذكريات. 


 █ بصمةُ الخيالات المحتجبة 

"خيالاتٌ على فنجانٍ غاضب

و بصمةُ إصبعٍ تائهةٍ في قعره

أتأملُ ما يجري

ما جرى

و ستارة الخلودِ تُلوّح بالوداع!"

في هذه الدفقة الشعرية تنبثق دلالة الوعي اللغوي، عند الشاعرة، التي أسهمت بدور فعال في تشكيل جمالية معنى مائز على المستويين الدلالي والايقاعي.. وهي تفتح عدة تأويلات بما تحمله من تناقض واضح بين ما يشير إليه "الخلود" من بقاء واستمرارية أبدية، وبين ما ينطوي عليه "الوداع" من معنى الانفصال والفراق: 

فعندما توصف بصمةُ الإصبعٍ  بـ "التائهة" في قعر الفنجان الغاضب المرتسمة عليها خيالات هلامية مسكونة بتمرد الأفكار وجنوح الرغبات، فهذا يعني بحث الشاعرة عن "الذات" التي تتأمل الأحداث المحيطة بها، في سيمترية العيش على وسيلة مناسبة لفهم "الذات" بالأخص، وليست هنا "الذات" الشاعرة فحسب، بل كل "ذات" حتى عند المتلقي نفسه.

حتى عندما تتمثل "الستارة" هنا كحجاب أو فاصل بين عالمين استعارت مفردتها الشاعرة، جاءت بها لتلوّح بمعنى وحيد، يعتمل داخلها، أن الحاجز بين الحياة الأبدية والفراق أصبح أكثر وضوحًا.


خيبات الحب المزيف 

"في قصائدي 

  حبٌّ مُزيّف"

 هناك إشارات إلى أن بعض الشعراء قد يصفون الحب بطريقة تبدو مزيفة أو مبالغ فيها للتعبير عن التذلل للحبيب، مما قد يُفهم على أنه نوع من الحب المزيف لأنه يفتقر إلى الجوهر الحقيقي للحب الذي يعتمد على الصدق والشفافية المفرطة.

ولا ينفصل ذلك بحال عن فكرة الشاعرة في تقديرها أنّ:

"في نهايةِ الرواقِ.. 

يجلسُ الحبُّ مُتأملًا خيْبته!"

وهذا بما آلت إليه، من التأمل العميق والندم المرتبط بالحب؛ فجعلته، يقعي في نهاية المشوار ليس من أحدٍ حوله، يعيد التفكير في الخيبة التي عاشها. تأملُها هذا يمكن أن يكون جزءًا من رحلة التعلم والنمو، حيث يواجه الإنسان مشاعره الحقيقية ويبحث عن الفهم أو الحل. (في ما قد يصل أو لا)

-

*وفي محور قراءتنا الثاني للنصوص: "محور التعبير عن المشاعر"

حيث تقول الشاعرة:

"أملٌ يضيقُ 

صدره كلّ ثانية"  

بما يعكسه ذاك من حالة قلق أو حزن شديد، حيث أن هناك شعورًا بالأمل يتعرض للضغط أو القهر بشكل دائم، قد يكون ناتجًا عن مواجهة مستمرة مع حالة شعورية عميقة تتعلق بصراع متقد بين الأمل والواقع، وهو ما يجعلها ترنيمة تعبر عن تجربتها في عالم مليء بالتحديات.


اغتسال كاذب، ووحدة غارقة في الصمت

أنتَ سماءٌ أغتسلُ 

 بكذبتها كلَّ يوم!"

 في توصيفها له بالسماء، وهي كرمز للعلو: يعني أنه مثال للنقاء والجمال.. لكنها بما تعيشه من حالة نكران للواقع جعلها تتخذ من الجزيرة عزلتها الاختيارية، وبما يعد تعبيرًا عن الحاجة إلى شخص تعتمد عليه كوسيلة للتطهير الروحي أو العاطفي، أكدت على أن هناك ثمة تناقضًا فلسفيًا بين النقاء "السماء" وبين "الكذب"، مما يمكن أن يكون استعارة للحياة نفسها، حيث نبحث عن الحقيقة والجمال في عالم مليء بالخداع والزيف. وكيف يمكن لشخص أو فكرة أن تكون ملاذًا للتطهير الروحي أو العاطفي.

ثم، وأنتَ هناك تحت فضاء شاسع، في قلب سراب يرقص على أفق الأحلام، التي هي أرواح الماء التي تسكنه وتحرس أسرار البحر الخصبة بالأساطير والحكايات....

 "تذهبَ إلى بقعةٍ تسمو 

عند جزْرِ الماءِ

تجلسَ وحدكَ

أنتَ والنوارس؛

ولا أحد يصغي لأنفاسكما

سوى هذيان موجٍ شبق"

حيث تتشابك عوالمك، تتسق عزلتك مع خيالات النوارس المحلقة بلا قيود، ورجْع أنفساها الذي يشق الكون الفسيح، تبوح لها عن خبيئة مشاعرك؛ فلا تسمع إلا صدى همساتك الموّارة باللوعةِ والشجن.. وحيدًا، على حالتك، منقطعًا إلا من كلِّ موجةٍ، مهما كانت صغيرة، تتشكل في دوائرها المتسعة، لا يسعك إلا أن تستمع إلى هديرها الصاخب، وتستسلم لطربها، وتشعر بإيقاعها، وتستمتع بسحرها، وتتعلم من حكمتها أن الحياة ستبقى عند الحد من العزلة والانصياع لشرود روحك.

-*-


 وفي محور قراءتنا الثالث (محور التأمل والتفكير العميق): 


تقنية لغوية بعيدة عن التقعر

 "على سفوح "كسروان"

أقبلت يمامةُ الروحِ تُغنّي

نشيدَ الصلابةِ والدفءِ

تلك العجوزُ التي تثقبُ الروعَ 

وإعلاناتِ الحبِّ

الممددةِ على جبينِ الطرقاتْ"

في مفردة "كسروان" – تلك البلدة الساحلية التابعة لمحافظة جبل لبنان- دلالة وعائية حيث تشتبك الذات (المجبولة من غُربةٍ وماء) وهي تستحضر مثولها المكاني (على السفوح) منطلقة من هديرٍ يبعث على التخفف من الآثام؛ آثام الخريف بعريه المشهود، تتجرد منها "يمامةُ الروح" "في محاذاة لونٍ حائرٍ/ ولعبةِ طفلٍ مشطور الرأس"، تلك اليمامة "العجوز" وصفًا لحالتها المتوقدة بالرحيق والزيت الشافي، تطالع في الطبيعة من حولها حيث "تتحلل الأشجارُ من أثقالها" على "الطرقات"؛ وهي الذاكرة الجماعية المشبعة بالإغواء، إلى مسارات الحياة والتجارب التي مرت بها "اليمامة" التي يعني مثولها ممددةً، وحولها الزعتر البري، في انتظار رسالة غريبة تتناثر من هواء.

-

  "نحن ظلّان 

   وثالثهما رسالة"

 وهنا، استخدمت مفردة الظل لتعبر عن مفهومين أو كيانين متمايزين، ولكنهما مترابطين بشكل ما، برسالة تجسد ربما معنى وجودهما أو تفاعلهما.  

في سياق الحب والتواصل، تعبر عن شخصين حيث يكون كل منهما ظلاً للآخر، ورسالتهما معًا هي الحب أو الاتحاد الروحي. وأن الرسالة هنا قد تكون البحث عن الحقيقة أو الوحدة الكونية. حيث تكون الذات الشاعرة ظلاً لتجربتها الشخصية، والرسالة هي ما يتركه من أثر في الطرف الآخر. 

وأن ما يلخص تلك الرسالة هي "ما يحوجني الآن هو حروفك التي تتكئ أيامي عليها؛

ذاك الصوت الذي يسكن رعودَ الظنون فيّ"


·       كما تتماس تلك الجمالية، في ذهنية الشاعرة، مع ما رسمته في لوحتها التشكيلية الرائعة، إذ تقول:

"نحن طَلّان  

على كتفِ زنبقةٍ خجولْ"

صورة الزنبقة الخجول هنا كرمز للجمال الهادئ والعفوي، وهي في مثل زهرة ناعمة يتنزل عليها مطر خفيف دون أن يُسبب لها أي إزعاج أو ضرر. هذا النوع من التأثير يكون تعبيراً عن الرعاية والحماية، في تأثير إيجابي بسيط في حياة الآخرين بدون فرضية.

في سياق أوسع، تُستخدم هذه العبارة لوصف تأثير الحب العفيف على النفس البشرية، حيث يهبط برقة ويُحيي الأرواح بهدوء، مثلما يفعل المطر الخفيف بالأرض. 

إذاً، هذه العبارة تعكس مفهوم الجمال في الهدوء، والتأثير الرقيق، والحضور اللطيف الذي يُحيي ويُجدد بدون إثارة الضجيج.


·       وبنهاية تطواف الشاعرة الرحّالة:

"يُلقي الظلُّ بجسدهِ الرمادي

على مظلّةٍ تتثاءب"

·       وقد..

"انتصب الليلُ

بزرقةٍ داكنةٍ كالموتِ

بكفٍّ شاهقٍ كالموجِ

والعذارى ...

يغنّين العويلَ والنشيجَ

وغناء "العذارى" هنا يحمل دلالات رمزية تتعلق  بما يعزز من صور الألم والمعاناة، مما يخلق جوًا من الشجن والدرامية...

"في حضرةِ المتاهةِ العمياء" 

وقد استخدمت الشاعرة مفردة "المتاهة" للتعبير عن الفوضى والارتباك الواقعين بفعل التأثر القوي على شخصية العذراوات ومشاعرهن، في ما كانت مفردة "العمياء" لتضيف بعدًا من العجز عن الرؤية أو الفهم.

·       ولكن تبقى ثمة هناك:

"كفوفٌ تنقرُ طاولةً 

ذات مفرشٍ قُطنيٍّ مُطرزٍ

بأناملِ الانتظارِ واللهفة" 

وهي هنا تعكس ما يعتورها من توتر لانتظارها الطويل، تتقاسم اللوعة كفوفها التي تنقر الطاولة أمامها، والمغطاة بمفرش قطني مطرز، كإيحاء نسوي فرِه ومتخم بمشاعر القلق واللهفة.. عيناها تتجولان في المكان، تبحثان عن ذاك الوجه المألوف بين كل تلك الوجوه الغريبة.


وفي ما تظل الشاعرةُ، على أصالة كينونتها الشعورية:

"يمامةٌ ضالة؛ 

تبحث 

-في الملكوت-

   عن رسالتها"

منتظرةً، مثلها مثل الجميع "دويَّ السقوط!" في نهاية دراماتيكية لقصتها التي دونتها بين ضفتي شغفها الأزرق الموسوم في ضفتي الديوان.

*-*

وختامًا:

نستطيع أن نقول: إن الفقرات الشعرية المختارة من نصوص بالغة الشفافية، زاخرة التأثر بإنسانية الذات الشاعرة، تسوّق بفتنة بلاغية عبر 20 قصيدة هي كل ما احتواها الديوان، بما يشكل عمقًا حيويًا في استخدام مفردات الحب والعشق، واللوعة، والعذاب، والألم، والمرارة، والفراغ، والبعد، والزرقة المتوهجة، والتي تتوزع بكثافة في نصوصه كافةً، بتناغم هارموني يؤكد على تمكن الشاعرة من لغتها بما تُحدثه من تنوع دلالي قائم على التمازج الحسي والمادي، التشابك الفردي والجمعي، التناص الفعلي والقولي، بما يتيح مساحة ارحب للبوح الشفيف، للزجر العفيف، وللحيلولة دون الوقوع في اسر التعقيد والتعالي اللفظي.


كتب محمد حسني عليوة