لم تكن قصة، بل تاريخًا، روايات من سحرٍ وعملٍ خالد، ثلاثيةٌ تاريخيةٌ أشرفت عليها دارة الملك عبدالعزيز بعنوان "تاريخنا قصة"، برنامجٌ أدهش الجميع، وانطلقت أصداؤه عبر ساحات المثقفين والكُتّاب. وكانت البداية في معرض الكتاب بمدينة الرياض، حيث سالت أقلامهم على الورق بسردٍ عظيم عن تاريخ نجد وما حدث فيها منذ القدم.
الصحراء تبكي، الفقدُ مؤلم، الحياةُ قاسية. لم يكن التاريخ يومًا من الأيام سهلًا، ولا الحياة فيه بسيطة، بل كانت معارك طاحنة، وفقرًا شديدًا، وأمراضًا فتاكة. شعارها القوة، ولا بارك الله في الضعف. دموعُ الرمل التي تركت أثرًا على وجنتيها، وحسنةٌ عن مئة رجل، ومستكشفٌ من كارل إلى العقيلي كحيلان.
حينما بدأتُ هذا المشروع، شرعتُ في قراءة هذه الثلاثية الرصينة، التي ابتدأتُها برواية "الجسّاس". فقد أبهرتني الكاتبة عبير الرمال بسردها، الذي كان منذ أول الصفحات يشدّ القارئ ويبهره. كان بطلها جبير، ونجمتها حسنة، فقدَ أمه وعاش في أسرة لم يكن فيها رجل سوى أبو عوض وزوجته وأربع بنات. حكايةٌ لا تنتهي بين قبيلة الجسّاس والعشيرة، وبين الابنة حسنة وصراعها مع طامي. تشهد هذه الرواية صراعات بين العشائر، وحرب الإمام عبدالله بن سعود وحمايته للدرعية ضد محمد علي باشا. لقد شدّني هذا العمل بأسلوبه الفني وسرده المميز، الذي جعلني أنتقل من الحجاز حتى وصلت إلى الدرعية وما حدث فيها. لم تكن مجرد رواية، بل تاريخ.
حينها، تقلبت الصفحات، وتناثر الرمل، واشتد الألم، وانهمرت الدموع، حينما انطلقتُ في قراءة سرد الأستاذ شتيوي بعنوان "دموع الرمل". أسرني وسحرني بقلمه، عشتُ تائهًا في الصحراء أبحث عن سند لي. هكذا هي الحياة؛ فقدٌ ولقاء، وعدٌ ووعيد. لم أكن أعلم أنك لن تعود. رحلتَ من أجلي لتعوضني عما سُلب مني، وها أنت لم تعد، كأنك رياحٌ عبرت هذه الصحراء، ثم مرت وأخذت معها ماضي الجراح وجديد الفقد.
بعدها، رحلتُ أنا وصديقي نجم الشمال برفقة موهق، لكي أتعرف على سلوم العرب وعاداتهم، بين إشعال النار ورائحة القهوة الزكية المعطّرة بالهيل والقرنفل. ونحن تحت هذه الخيمة، نشاهد رجالًا كُثُرًا، من لا يحترم عاداتهم لا يحترمونه، كما جرت العادة عندهم. ثقافات الشعوب في غاية التنوع، ولكل مجتمع تفرده الخاص.
مسير الرحلة، المسافة، النهوض بين الحنابل الحُمر، بعد الرحلة جميعها شاقة، لكن هذا ما جعلني أنتقل من كارل إلى العقيلي كحيلان. لقد شاهدتُ في الصحراء العديد من الدروس؛ معرفة الوقت والأيام من نجوم السماء، وعلمتُ أن الحلاق هو الطبيب والمعالج ومختص الختان للأطفال. سرقني من مكاني عمل الكاتبة سيما، من حيث التنقل بين ماضي كارل وحاضره، وحضوره من شمالها إلى وسطها، والصور الإبداعية في وصف عيش الرجل الأوروبي في وسط الصحراء، والتعايش مع القبيلة والانتماء لها.
حقًا، ثلاثُ أعمالٍ خالدة في تاريخ الرواية، بعد أن صعد هذا البرنامج تحت إشراف دارة الملك عبدالعزيز، والتي تُشكر عليه. فمثل هذه البرامج، بمسمّاها "تاريخنا قصة"، تبقى خالدة، حيث يُروى التاريخ بطريقة جميلة، وفكرة تُعيد للجميع هذا الإرث العظيم. ولا أنسى الشكر للقائمين على البرنامج ومتابعته، كما أشكر الأساتذة الكرام الكُتّاب على هذا السرد الجميل، الذي جعلني أعيش حقبة زمنية رائعة مع كل كتاب.
كتب هشام آل عتيق
0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟