بالأمس خرجتُ من منزلي مُغادرة ولا أعلم إلى أين، ولكن كل ما أعلمه هو تلك الغيوم المتراكمة وبعض قطرات المطر المتساقطة على زجاج السيارة... خرجتُ وأنا محمَّلة بالأفكار، ومُشتَّتة في الكثير من الأمور. في مروري بالشوارع، وكأني أرى أشياء لم أرَها سابقًا في هذا الشارع. تبادلنا أطراف الحديث قليلًا حتى وصلتُ إلى الجهة المقصودة. نزلتُ فيه، ولامست قدمي ذرات التراب، بدأ خفقان قلبي بقوة حينما سمعتُ صوته يعلو في المكان. انفتح صدري له، وأصبحت لحظات شوقي أكبر.

شعرتُ به يناديني... يغازلني من بعيد. اقتربتُ منه لدرجة أن قوة داخلية تدفعني نحوه... أريده أن يداعبني كطفلة صغيرة، فبدأ العتاب بيننا:

ـ لقد اشتقتُ لكِ... طال انتظار حديثكِ... لماذا أصبحتِ حبيسة منزلك؟
وممَّن تختبئين؟ في السابق كنا نلتقي كثيرًا، نتبادل الهموم ولحظات السعادة، ما الذي يحدث؟ لم أعد بالنسبة لكِ كما كنتُ سابقًا؟

أطلقتُ تنهيدة وأنا أقترب منه أكثر حتى شعرتُ به، فهرب ما كان يُقلقني، بل وقد تلاشت الأفكار وهربت:

ـ كثرت مشاغل الحياة وازدادت مسؤولياتي لدرجة لم أعُد أرى نفسي.
أعلم أنني بعيدة عنك وعن الآخرين، لكني ما زلتُ موجودة، أتنفس، أمارس حياتي بشكل طبيعي، لكنه فاجأني بصوته حينما ارتطم ببعض الصخور:

ـ الحياة ليست هواءً وأكلًا وشربًا فقط، هناك أمل، حلم، ارتقاء، ليست مجرد ساعات إشراق وأخرى غروب. لم نُخلق عبثًا في هذه الحياة، بل لنتعلم كيف نقدِّرها.
لم تكوني هكذا سابقًا، ما هذا التراجع؟ وكأني أشاهد شخصًا باهتًا ممزقًا.

رفعتُ بصري للسماء وأنا أفكر في كلامه:

ـ هل صدقًا ما تقول؟ ولكني بخير.
ـ لماذا البُعد عن الحياة؟ لم أعُد أراكِ تُحلِّقين في السماء!
ـ صدقني لم أتغير، ولكني أريد بعض الراحة، فقد كنتُ أركض في السنوات التي مضت، ربما نسيتُ نفسي قليلًا، لكن هذا لا يعني أنني تراجعتُ عن أهدافي وطموحاتي، إنما أقيِّم خطواتي، وأحدد أخطائي، وأعيد ترتيب أولوياتي...
ربما أطلتُ البُعد والاختباء كما تقول، لكني سأعود أقوى مما كنت. وأعدك بعدم التراجع.

فاخترق سمعي صوتٌ يناديني من بعيد، يُذكِّرني بوقت العودة للبيت، فقد أطلنا الغياب، فالتفتُّ مُعلنة الموافقة. تلك اللحظة، شعرتُ بأني كنتُ مُنومةً مغناطيسيًا، بل كنتُ في عالم آخر، وهذا العالم جمعني بالبحر وجمال صوته وهو يُحادثني. فكنتُ أظن أنه هو في مخيلتي منذ الصغر، ولكني اكتشفتُ أن هناك شخصية أخرى مني تظهر في الشيء الذي أُحبه حتى تُعاتبني وتُعيدني إلى الطريق الصحيح.

كتبت مرضيه الصحبي