نُعلِّم أم نتعلَّم؟
في هذا الصرح العلمي يفوق تعلُّمُنا على ما نُعلِّمه، إذ أن بعض المواقف التي تواجهنا تُلقِّنُنا درسًا قبل أن نعرض درسنا.
بعض الدروس غير مخطط لها، لكن كأنها خُطِّطت لنا باستراتيجية جديدة للتعلُّم النشط
وأسلوب تعلُّم ذاتي بل تلقائي.
هنا أركان تعليمية كلنا نعرف أهميتها لرياض الأطفال، تنمّي الاستقلال والشعور بالمسؤولية وحب الاكتشاف، وبهذه الأركان يفهم الطفل نقاط القوة والضعف ويواجه المشكلات ويحلّها،
ومعلمات الأطفال كتلك المظلة التي تقي من المطر أو من حرارة الشمس، مثلما نحتمي معًا وإن لم تكفِنا مظلّتنا الشفافة ذهبنا سويًا تحت تلك المظلة المنسدلة من أشجار النخيل، وكلما زاد هطول الأمطار زاد انتماؤهم لنا، ونصبح مثل أفراد العائلة التي تجلس على المائدة وتتناول الطعام وتتحدث عما حصل في يومنا.
أو كأخوة يجتمعون على نار دافئة بطقس بارد، أو كأصدقاء كوّنوا فريق قدم ووثقوا ببعضهم حتى ينالوا الفوز بالكأس.
معلمات رياض الأطفال لسن معلمات وحسب، بل منتميات لأطفالهن، يقِسْن الطريق قبل أن يمشي خطوة واحدة.
حينما يجلسون على السجادة المستديرة، يُضاء المكان فقط فوقها،
ولكل طفل نورٌ آخر وضوءٌ مميز، وكلما يظلم المكان لا تتوتر هذه المعلمة، تجد دومًا مرونةً لتُعيد وهج هذه السجادة المستديرة بفن أسميته (فنون المنهج الوطني)، وتبحث دومًا عن شيء جديد لتلفت الانتباه والفضول لديهم، وكي تبعث حب الاستطلاع من الصفر، تصنع من الورق الملوّن لعبة، ومن كوب البلاستيك وسيلة، ومن السبورة لوحة، ومن الخامات المستهلكة مسرحًا، إنهنّ صناعات إعادة التدوير في زمن يُشترى فيه حتى صُنّاع المحتوى!
ومن قال إن عملها مربية ومسلية فقط، لم يجلس على هذه السجادة المستديرة قط، لم يَرَها كيف ترسم بوجوههم بسمة، وتزرع المحبة فيما بينهم، وتستخدم استراتيجيات واستقصاء، تستغرب كيف من بعدها تلك الأجوبة التي تخبرنا بعمرهم العقلي الفعلي.
إن كانت مربية، فالتربية تُقاس على أسس سليمة، من المنزل، والروضة تعمّر هذا الأساس قصورًا وفنونًا هندسية عمرانية.
فاق التشطيب وبدأ بالزخرفة الإسلامية بأسلوب حضاري مدني ينساب على تلك الأبنية ويعكس مدى أناقتها على أصحابها، فالقالب غالب كما تعلمون، فالمعلمة مهما كان فصلها مكتملًا بأدواته ومقاعده وطاولاته وأركانه، هي النقطة على الحروف بابتسامتها وعطفها وروحها العطرة واتزانها لانفعالاتها وإيجابيتها، هي المُتمّمة لكل صف دراسي، وخصوصًا صف ما قبل المدرسة، فهي جوهر الصندوق الثمين لكل خرائط الكنز التي وُجدت.
حينما تنطق الحرف بحركاته الثلاث وتربطه بأنشودة حركية، نتمنى وقتها لو نستطيع تصوير فيديوهات هذا الانتماء بينها وبين أطفالها، ولكن بعض المشاهد لا تُوصف الشعور مطلقًا ولا تُوصل الواقع بتاتًا.
ولا أحد يعرف، لا أحد، إلا تلك المعلمة التي تجلس على السجادة المستديرة، تقرأ وتقص، تُشجّع وتُنشد، تُحفّز وتُوجّه، وتخلق من العدم أداة تعلّمهم الحب والانتماء للروضة، وللمعلمة، وشغف التعلُّم، وحتى لهفة الجلوس على تلك السجادة المستديرة.
كتبت الأستاذة وردة عوده
الابتدائية الثامنة عشرة والروضة السادسة عشرة بحائل
0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟