نجلسُ أنا وعائلتي حول المائدة، كثيرًا ما يكون لي النصيبُ الأكبر من الطعام، أسمع همس والدتي وهي تُخبرهم واحدًا تلو الآخر: "اتركوه لها"، فيردُّ أخي: نعم دعوها تأكل، فأشهد نيران الغيرة تتسرَّب لشقيقتي الأصغر مني دون أن يظهر لي ذلك، لكنني أفهم نظراتهم الخافتة تلك، أفهم تصرفاتهم، أفهم ما يرغبن في قوله دون إفصاحهن به، هكذا كنتُ وما زلتُ فطِنةً بهم فردًا فردًا، يضحكون معًا، لكنني قليلةُ الكلام، أتأملهم بصمتٍ دائم، أذهب للجلوس بمفردي وكأنني أُسابقهم على الذهاب، فيأتون للجلوس بجانبي والتحدث في كل ما يدعو للضحك.
تصغر عيناي شيئًا فشيئًا، أخشى أن أبكي، وتزورني حالاتُ الصراخ والإغماء، أودُّ خروجهم، لا أقوى على كسر تلك الضحكات، دائمًا كانوا رغمًا عني يذهبون للخلود للنوم، تنطفئ الأنوار وتُظلم الأسِياب التي بيني وبين غرفهم، أنتظر لحظة تأكدي أنهم جميعًا باتوا في سباتٍ عميق، أدخل غرفهم دون الاقتراب الكلي منهم، شقيقتي الأولى تحتضن بين ذراعيها صورةً لي، وأخي بجانب رأسه عطري القديم، وأخي الأصغر على جسده وشاحي الدافئ.
أدخل غرفة والدتي لأجدها تنتظرني، أحدّق في عينيها لأجدها تذرف الدموع بغزارة تكاد تُدمي المدينة بأكملها من شدة حُزنها، بكاؤها يسقي الأزقة هنا وهناك، تنتابني الرغبة في احتضانها الآن، في تقبيل رأسها بحرارة، لكن ما بي يمنعني من فعل ذلك، الخوف يأتي لي مثل صفعاتٍ متتالية ليهدم ما أنوي فعله، أجدها تفتح يديها لي مرحبةً بي، مهما فعلت أجدها حنونة، رحيمة كغصنٍ رقيقٍ من الجنة.
أجلس أمام بابها وهي تُحدّق بي، تتأمل عينيَّ المتورّمتين، تتحسسُ أثر بكاء الأمس! تخشى قدومي لها حتى لا أصبح في حالٍ يُرثى له، تتركني رحمةً بي. تُشرق الشمس وأصحو، وها أنا قد غفوتُ قُبالة بابها، بجانبي زهرةٌ بيضاء، زهرتي تلك وضعتها والدتي بجانبي دون أن تجعلني أشعر، شعرتُ حينها بأنه يجب عليَّ صنع ابتسامة على وجهي، لكن سرعان ما رفضت ملامحي فعل ذلك؛ ترفضه بشدة؛ تتجمَّد يومًا بعد يوم؛ وتبقى على حالها ذا.
أتذكر جيدًا لحظة احتضانهم لبعضهم البعض، وأنا على بُعد أمتارٍ منهم، توسَّعوا، رحَّبوا بي، متأملين قدومي لمشاركتهم تلك الأحضان الدافئة، الحضن الذي يأخذ أثر المعطف في الليالي الماطرة، متأملين أن أعود تلك الطفلة التي تلعب بالدمى في فناء المنزل، وصدى ضحكاتها في أرجاء المكان، تلك الأحب لقلوبهم، تلك الشقية، تلك الصغيرة التي كبرت ونسيت كيف تُحب أحدهم بعد ذلك الحادث المروِّع؛ الحادث الذي هزَّ أركان عائلتها، الذي زعزع يقين قلوبهم، وترك لهم فتاةً يحبونها؛ فقدت ملامحها بعد تشوُّه وجهها بالكامل، بعدما أصبحت تَهلع من لمس أحدهم لها ولو لمسةً واحدة؛ تخاف حدود الأبواب؛ تخاف السير خارج حدود منزلها.
أدرتُ بظهري لهم، وأنا أعلم أن كل أجنحتي قد كُسرت، ولا أستطيع التحليق مجددًا؛ وأن ذلك النور قد غاب في إحدى سنوات طفولتي.
عند الخامسة مساءً، وأصواتُ الصراخ من حولي تتعالى، أفقتُ على سريرٍ أبيض، وصوتُ أحدهم من بعيد يُردِّد: يا لها من مُخيفة!! ينطقها دون رحمة، حتى أيقنتُ حينها أنني كبرتُ في تلك الغيبوبة سنواتٍ كثيرة دون شعورٍ مني.
والآن، في هذه الساعة، أنا هنا، ولكن سنواتي تنزفُ على ذلك الرصيف الأسود، وتلك السيارة البيضاء، يكادُ عمري يقف في تلك الشرفة، بينما أنا أجرُّ جسدي على مضض.
كتبت سِهام
4 Comments
مبدعه سِهام اقراء واتعمق في كتابتك ولا اريد الاحرف تنتهي مستمتعه جداً🤍
ردحذفمبدعه والله سهامي الله يوفقك يارب أستمري يابطله 🤍🤍
ردحذفكلمـاتڪ عميقة جداً، عميقة حد خلودها في القلـب وليس الذاڪرة فقط.
ردحذفبلحظـة قـراءة ما بين الحـروف عشـت ڪلماتڪ وڪأنها واقـع، بخيـالـي ومسست الشعـور.
إنتي عظيمـة اللهم بارك، عظيمـة جداً 🤍
ممتنة من القلب🤍
حذفإرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟