في زحمة حياة الإنسان المعاصر، تجده يركض خلف الإنجاز، يجمّع الشهادات، يحفظ اللغات، ويرتّب كل تفصيل بدقّة. لكنّه حين يتأمّل في حاله، يجد نفسه يرتجف أمام المجهول، ويختنق من فكرة التأجيل، ويقلق من المستقبل كأنه لا يملك سنداً ولا ظهراً. يرتدي ثياب التطوّر، لكنه يخفي تحتها هشاشة نفسية مرهقة، وتأتيه لحظه إدراك تجعله يدرك ما ينقصه رغم كمال مادياته، حين يسحبه صوت من الزمن القديم يقول بكل ثقة: "ربك بيحلها، وييسرها"، فيصمت لا لضعف حجّته، بل لقوة ما في هذه الجملة من إيمان نقي، وثقة لا تُبنى بشهادة، ولا تُدرّس في جامعة.
والحقيقة أيها الإنسان المعاصر: أن أجدادنا كانوا أقوى منا نفسياً، لا لأن حياتهم كانت أسهل، بل لأن قلوبهم كانت أكثر تسليماً، بل دعنا نكون واقعيين حياتهم كانت أصعب، لم يكن لديهم دواء متوفر، ولا دخل ثابت، ولا تكنولوجيا تعينهم، كان الخطر أقرب إليهم منّا؛ فالموارد محدودة، والحلول نادرة، والخيارات ضيقة. ورغم ذلك، كانوا أكثر طمأنينة، وأعمق إيماناً، واجهوا الحياة بقلوب متعلقة بالله، لا معلّقة بالأسباب، إن نصى أحدهم أن يُنهي معاملة مستحيلة، بناءً على المعطيات، ولم يكن يعرف الآخر أحدًا، لا يعتذر لقلة الحيلة، واستحالة الشروط، بل يجيب: "امش ندخل والله اللي بيخلصها لك مو أنا"، يرددها وهو يبتسم، يمشي بثقة، لأن التوكل عنده ليس احتمالاً، بل يقين، أما نحن! نملك الأطباء، والمستشارين، والخطط، والتطبيقات، وكل الحلول الممكنة، ومع ذلك.. نشعر أننا غارقون في قلق لا ينتهي، نبحث عن طمأنينة لا نعرف كيف نجدها.
لقد لعبنا في موازين الحياة… قدّمنا الدنيا، وأخرنا الإيمان، اعتقدنا أن العقل وحده يكفي، وأن الحلول البشرية تغني عن التسليم، لكننا كلما تقدمنا مادياً، تأخرنا روحياً، كلما تسهلت الحياة خارجياً، تعقّدت داخلياً، نحن لا نقلل من العلم، ولا من السعي، بل يجب أن نعيد ترتيب الأولويات؛ فالعلم دون يقين، والتخطيط دون توكل، لا يصنع إنساناً مطمئناً، فنحن نحتاج إلى قلوب تعرف الله، لا عقول تعرف فقط كيف تُفكر، نحن نملك أكثر مما مَلك أجدادنا،
لكنهم كانوا يملكون ما هو أثمن:
ثقة بالله لا تهزّها الظروف، تسليم مطلق لا تشوشه التفاصيل، واستقرار نفسي لا يعرفه أكثرنا، رغم شهاداتنا ومناصبنا.
فالقضية التي نناقشها هنا ليست في كم نملك، بل في كيف نعيش مستقرين نفسياً، فمن تعلّق قلبه بالله، لن يُكسر أبدًا، ومن قالها بصدق: "ربي بيحلها" وبنفس ثقة أجدادنا … كان قد أسقط نصف جهده قبل أن يبدأ.
كتبت هاجر المرعي
0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟