في لحظةٍ ما من التاريخ، لم تكن الكاميرا تُوجَّه إلى الوجه، بل إلى العالم. كان الإنسان يتحدث عن السماء، عن المدينة، عن الآخر… لا عن نفسه. ثم حدث الانقلاب: لم نعد نرى العالم إلا من خلال صورة “الذات” فيه. هذا التحول لم يكن بريئًا، بل فتح الباب لعصرٍ جديدٍ من الوجود… عصر تمركز الإنسان حول صورته الرقمية.
تُوصف "السوشيال ميديا" بأنها “منصات تواصل”، لكنها، بدقّةٍ أكبر، أصبحت منصات استعراض، ومختبرات لصناعة الانطباع، ومرايا مقعّرة تُضخّم أشياء وتصغّر أخرى حتى يبدو الواقع نفسه مشوّهًا. لم تعد هذه الوسائط مرآةً تنقل الواقع، بل أصبحت أداة تصنعه وتُكيّفه وتُعيد تشكيله.
الواقع الحقيقي مقابل الواقع المصنوع
في الواقع الحقيقي:
نحب من نلتقي بهم صدفة.
نعجب بالأشخاص بعد معرفتهم، لا قبل.
لا نضع “الطول، والجمال، والمال” كمعايير مسبقة صارمة.
لكن في الواقع الذي تصنعه السوشيال ميديا:
تُختزل العلاقات في صور لحظية، وإحصاءات تفاعل.
يُروّج لمعايير جامدة عن الجاذبية والقبول.
ويُدفع الإنسان دفعًا ليتحوّل من كائن حيّ إلى منتَج قابل للاستهلاك البصري.
لقد أصبحنا نعيش تحت وهم أن “ما يُشاهد كثيرًا = ما يجب أن نكونه”، وهذه كارثة وجودية أكثر منها إعلامية.
من الإنسان إلى المحتوى
في هذه البيئة، لم يعد السؤال:
“من أنا؟”
بل صار:
“كيف أبدو؟ " "وكيف يراني الآخرون؟ "
" وهل أحقق التفاعل الكافي؟”
وهكذا، يُختزل الوجود في أرقام:
عدد المتابعين،
عدد الإعجابات،
عدد المشاهدات.
لكن الرقم لا يحمل روحًا، ولا يعترف بتفاصيل الإنسان… فتصير القيمة في الانطباع السريع، لا في العمق الحقيقي.
السوشيال ميديا كمرآة مكسورة
هذه المنصات تُبرز فئة صغيرة من الناس على أنهم “النموذج المثالي”، ثم يُعاد إنتاج هذا النموذج حتى يُظن أنه القاعدة، بينما هو في الحقيقة أقلية استعراضية تُضخَّم بواسطة خوارزميات لا أخلاق لها.
وكم من شاب طُعن في ثقته لأنه لم يكن طويلًا بما يكفي.
وكم من فتاة شكت في أنوثتها لأن جسدها لا يشبه الصور المفلترة.
وكم من علاقة جميلة اختنقت لأن أصحابها ظنوا أن الحب يجب أن يبدو كما في الفيديوهات.
[السوشيال ميديا تسرق من الإنسان علاقته الحقيقية بذاته، وتستبدلها بعلاقة قَلِقَة بينه وبين صورته.]
تسليع الذات والهوية
واحدة من أخطر نتائج هذا العالم الرقمي أن الإنسان أصبح يُسوّق ذاته كما تُسوَّق السلع.
“هذا أنا… وهذه مزاياي… وهذه لقطاتي من السفر، وهذه عضلاتي… هل سأُقبل؟”
“وهذه أنا… بمكياج خفيف، وبفلتر، وبنظرة خجولة محسوبة… هل أستحق الحب؟”
لكن في لحظة الصدق، يدرك الكثيرون أنهم يمثلون أدوارًا ليست لهم، ويعيشون حياة ليست نابعة من الداخل، بل مطبوعة من الخارج.
الرفض الحديث: لا لأنك ناقص… بل لأنك حقيقي
في عالم كهذا، من لا ينطبق على معايير السوق الرقمي، يُستبعد… لا لأنه سيئ، بل لأنه واقعي جدًا لدرجة لا تُناسب خيال الجمهور.
من كان قصير القامة مثلًا، أو داكن البشرة، أو يعيش ببساطة، أو لا يملك “كاريزما الفيديوهات”، فإنه غالبًا يُرفض — لا من القلب، بل من الخوارزمية التي تخبر الناس مسبقًا: هذا لا يستحق الانتباه —
لكن ما لا تقوله الخوارزميات هو أن هذا الإنسان ربما أكثر أصالة، وعمقًا، وصدقًا من كثير ممن يُصفّق لهم… فقط لأنه لم يتقن لغة العرض السائدة.
كيف نقاوم هذا الزيف؟
بالوعي أولًا: أن ندرك أن ما نراه في هذه المنصات لا يمثل الواقع الكامل، بل جزءًا مشوَّهًا منه.
بالاختيار: أن نختار أن نظل صادقين، أن نحكي تجاربنا كما هي، أن نحب دون أن نبحث عن تصوير ذلك.
بالصبر: لأن العالم لا يكافئ الصادقين فورًا، لكنه لا ينساهم أبدًا.
بالمقاومة الجماعية: كل شخص يقرر أن يكون نفسه هو سهم صغير في قلب آلة التزييف.
في الختام…
لسنا ضد التقنية، ولا ضد الإعلام الجديد، ولا ضد جمال الصورة.
لكننا نرفض أن تُستبدل الروح بالفلتر، والإنسان بالمحتوى، والحب بالإعجاب.
[نريد أن نعيش كما نحن… لا كما يطلب منا العالم الرقمي أن نكون.]
ربما لا نكسب القلوب كلها،
لكننا على الأقل، نكسب أنفسنا…
وهذا في زمن “السوشيال ميديا”، انتصار نادر وثمين
كتب الفيصل الحارثي
0 Comments
إرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟