من المفترض أن يكون الدين محرّكًا للحرية الداخلية، ونافذة للبحث عن الحقيقة، لا غطاءً للتعصّب والانغلاق. ولكن، حين يُقدَّم الفهم البشري للنصوص على أنه هو الدين، وحين يُمنع العقل من الاشتغال خوفًا من “الزلل”، يتحوّل الدين إلى قيد، والفقيه إلى مرجع لا يُردّ عليه، ويتحوّل الخطأ إلى صوابٍ لأنه قيل من فلان.
في هذه اللحظة، تصبح مغالطة السلطة حاكمة على العقول، ويُعبد الرأي الفقهي كما تُعبد الأوثان.
فما الفرق بين تقديس الصنم، وتقديس الفكرة لأنها قيلت من “فلان”؟
وهل يمكن أن ينهض الدينُ نفسهُ في ظل تغييب العقل والتكفير الضمني للسؤال؟
التعصّب للرأي الديني… تحصين بشري باسم الوحي
التعصّب للرأي الديني هو قبول الرأي لا لأنه قوي الحجة أو موافق للمقاصد، بل لأنه صادر عن “شيخٍ”، أو “إمام”، أو “سلفٍ”، دون أي اعتبار لطبيعة الرأي نفسه. يصبح الرأي دينًا، لا لأنه صحيح، بل لأن من قاله صار، في المخيال الجمعي، فوق الخطأ.والمأساة الأكبر هي حين يُساوى بين الدين والرأي الموروث، فإذا خالف أحدهم قولًا مأثورًا أو اجتهادًا فِقهياً تراثيًّا، اتُّهِم بمخالفة الدين نفسه.
هنا، يتحوّل الدين إلى مجموعة مواقف جامدة متوارثة، لا إلى دعوة حية تتحاور مع الوجدان والعقل والتاريخ.
مغالطة السلطة… حين يُقدّس القائل لا القول
مغالطة السلطة (Appeal to Authority) هي واحدة من أشهر المغالطات المنطقية، وتعني الاحتكام إلى شخصٍ أو اسمٍ ذائع الصيت على أنه حجة نهائية في المسألة، دون فحص مضمون قوله أو النظر في سياقه.مثالها في الخطاب الديني:
“قال الإمام فلان كذا، فلا يجوز مخالفته.”
أو:
“من أنت لتخالف شيخ الإسلام؟”
هذه المغالطة تعني باختصار: لا تفكر، فلان فكّر عنك.
لكن السؤال الفلسفي الجوهري هو :
هل الخطأ مستحيل على “فلان”؟
ألم يكن الصحابة أنفسهم يراجع بعضهم بعضًا؟
أليس الإمام أبو حنيفة قد قال: “إذا خالف قولي الحديث، فاضربوا به عرض الحائط”؟
فكيف نتجاهل هذه الروح النقدية التي كانت حاضرة في أوائل العصور الإسلامية، ونُبدّلها بثقافة الاستسلام والخضوع العقلي؟
مغالطة السلطة تجعلنا لا نعيد النظر، ولا نحاسب التراث، ولا نعيد تفسير النصوص وفقًا للواقع المتغيّر. وكأن التاريخ انتهى عند القرن الثالث الهجري، وكل ما بعده تابع لا مبدع، منقاد لا ناقد.
تقديس آراء الرجال… حين يصبح الاجتهاد نصًا
قال ابن رشد: “السبب في ضلال أكثر من ضلّ من المتكلمين أنهم أخذوا بمقدموكذلك هو الحال مع من يقدّس الرجال: يأخذ رأيًا ظنيًّا، ثم يبني عليه يقينًا دينيًّا.
إن آراء العلماء، مهما بلغت من الحكمة والاتزان، تبقى محاولات بشرية لفهم النص، لا النص نفسه. وعند الوقوع في الخلط بين “النص” و”فهم النص”، تُغلق أبواب الاجتهاد، ويُصبح التجديد خروجًا على “الإجماع”، حتى وإن لم يكن هناك إجماع حقيقي.
بل إنك تجد من يردُّ الأدلة الصريحة إذا خالفت أقوال الرجال، يقول الإمام ابن القيم في “إعلام الموقعين”:
“ومن أعجب الأقوال أن يقول قائل
وهذا يعكس إلى أي مدى طغى تقديس الرجال على منهج البحث عن الحقيقة.
نفي العقل… وتحنيط الدين
الإسلام، منذ أول آية نزلت، كان نداءً للعقل:“اقرأ باسم ربك الذي خلق.”
ومن ثمّ، توالت الآيات التي تحثّ على التفكير، مثل:
“أفلا تعقلون”، “أفلا تتفكرون”،
لكن عبر العصور، بدأت تظهر نزعة خطيرة في التعامل مع الدين، وهي رفض الأسئلة ووصمها بالريبة، ووضع العقل في قفص الاتهام، خاصة حين يتعارض مع التفسير الشائع أو التقليدي للنص.
صار المطلوب من المؤمن أن يُسلّم، لا أن يسأل.
أن يطيع، لا أن يفهم.
أن يحفظ، لا أن يستوعب.
فأصبحنا أمام عقلٍ مستسلم، لا عقلٍ متدبّر، يُعدّ “التفكير المستقل” نوعًا من “البدعة”.
لكن كيف يُطلب من الإنسان أن يكون مسؤولًا عن معتقده، وهو يُمنع من فحص هذا المعتقد بعقله؟
وكيف نطالب الشباب بالثبات على الإيمان، ونحن نحرّم عليهم أدوات تثبيته: التأمل، والسؤال، والتفكيك، ثم التركيب؟
خامسًا: تقديم النص على العقل… قراءة مبتورة للدين
في تراثنا، وقع الكثير في خطأ تقديم ظاهر النص على مقاصد العقل، متجاهلين أن النص يُفهم ضمن شبكة من السياقات:• لغوية
• تاريخية
• اجتماعية
• وواقعية
القراءة الظاهرية للنص تجعل الدين متجمّدًا، عاجزًا عن التعامل مع تعقيدات الحياة.
فكم من فتاوى صدرت بناءً على حرفية النص دون أن يُنظر إلى المآلات أو إلى روح الشريعة التي تسعى إلى رفع الضرر وتحقيق العدل؟
إن العقل ليس خصمًا للنص، بل شريكه.
والدين، إن لم يُقرأ بعقلٍ راشد، تحوّل إلى أحكامٍ قاسية لا ترى الإنسان، بل ترى الحرف.
وحين نلغي العقل من المعادلة، نكون كمن يُبحر بلا خريطة، ويقرأ القرآن كما يقرأ ديوان شعر، دون أدوات أو منهج.
خاتمة: نحو دينٍ يحرر لا يُكبّل
الدين الذي يُقدّس الرجال، ويقصي العقل، ويرتكز على مغالطة السلطة، ليس دين محمد ﷺ الذي قال:“إنما أنا بشر مثلكم، يُوحى إليّ.”
وهو ليس دين عمر بن الخطاب الذي قال:
“أصابت امرأة وأخطأ عمر.”
وهو ليس دين الشافعي الذي قال:
“رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غ
نحن بحاجة إلى دين يُعلّمنا كيف نفكّر لا ماذا نفكّر،
دين يُربّي فينا المسؤولية لا الطاعة العمياء،
دين لا يخشى العقل بل يحتضنه،
دين يعيد الإنسان إلى مركز الخطاب الإلهي، لا إلى هامشه.
فقط عندها، يمكن أن نبدأ التحرر من سجن التعصّب، ونعود إلى نور الرسالة كما نزلت: هدايةً ورحمة، لا قيدًا وسجنًا
كتب الفيصل الحارثي
1 Comments
مبدع 👏🏻👏🏻👏🏻
ردحذفإرسال تعليق
ما رأيك في هذه المقالة ؟