في إحدى ليالي الشتاء التعسة ومن الشارع لمحت طائرًا غريباً يغفو فوق جهاز التكييف لغرفتي، إذا لم أكن واهمًا فهأنذا أرى من أقض مضجعي في الليلة الماضية، رغم أنّ الظلام كان حالكاً إلا أن منقاره الأصفر بدى واضحًا، إثارة الضوضاء والمراقبة كل ما عليّ الآن فعله، ضربت بقدمي الأرض، قفزت، رقصت، صرخت حتى تقطعت حبال صوتي لكن منقاره الأصفر ظل كما هو معلقاً في الفضاء، تهادت أعصابي وخارت قواي وقلت وأنا خائب.. 
"حتى هذا الطائر". 
دخلت غرفتي واجمًا وحالًا ألقيت بنفسي فوق السرير، من فتحات التكييف انبعثت خيوط ضوء القمر على استحياء وانعكست حركة ظله على الجدار، إذًا كان مستيقظاً، رفعت يدي للأعلى وأنا مستلقٍ، ضغطت على زر التشغيل، فرقعتُ أصابعي، حركت ريش التحكم بمسار الهواء للأعلى للأسفل ولا يزال الطائر ساهياً، صفّقت بكلتا يدي وأنا أجلس القرفصاء وأعض على طرف لساني.. 
"حتى هذا الطائر".
وبعد أن كدت أتجمد بردًا أطفأت جهاز التكييف، وبهدوء أسدلت اللحاف وبقيت أنصت لثوانٍ، إذا حافظ على هدوئه لا بأس في أن أخلد إلى النوم حتى ولو لم يعرني أدنى إهتمام، فالظلام هنا قابع في كلِ مكان ولا أحد يراني هكذا واسيتني، وغفوت وأنا أردد..
"حتى هذا الطائر". 
واق واق واق، عيق عيق، قاق قاق، كان يقوقي حينًا ويزعق أحيانًا، تارةً ينعق وطورًا يصفر، يتنقل بينهم كيفما شاء على نحوٍ متصاعد وكأنه صوت جرس قطار قادم، أغمضت عيني بشدة ووضعت كلتا يدي على أذني وتمتمت وأنا منكمش داخل الغطاء..
"حتى هذا الطائر". 
كان صوته مزعج حقًا لماذا لا يغادر أو ببساطة لماذا لا يهدأ، فكرت في أن أتمشى قليلًا إلى حين بزوغ النور لكن الزمهرير في الخارج جعلني أعدل عن تلك الفكرة البائسة، صوت أجنحة تضطرب، أدركت كم أن هذا الطائر الحقير مولع بلفت الانتباه، بل ويفعل ذلك بإتقان، أما أنا فمهما أبذل لا جدوى، كمن يوقد شمعة ليرى الناس عبوسه ساعة النهار، ولكن الناس! 
ماذا أفعل.. 
"حتى هذا الطائر".
وفي الصباح لم يكن هناك غير السكون، جلبت مرآةً مكسورة ومن النافذة وجهتها نحوه، كان قاتمًا عدا من الخطوط الصفراء حول عينيه، لا ينبئ شكله بالانجذاب، ولا ريشه مدعاة للفخر، لقد عرفته هذا طائر المينا، كنت قد قرأت مقالًا عنه قبل يومين يحمل عنوان -طائر عنيد يغزو البلاد العربية- وأنا أنظر إليه وقد غيّر من ملامح وجهه سمعته يقول مقلدًا إياي باحتقار..
"حتى هذا الطائر".

كتب عدنان الحربي